logo




قديم 23-02-2020, 07:30 AM
  المشاركه #1
عضو هوامير المميز
تاريخ التسجيل: Oct 2015
المشاركات: 149
 

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..
هذا البحث: يناقش مسألة ولد الزنا (لمن يُنسب؟؟).
تُجمع المذاهب الفقهية المختلفة، أن المرأة المتزوجة إذا أتت بولد من زنا، فالولد يُنسب لزوجها (ودليلهم: الولد للفراش..)، ولو لم تكن متزوجة، فالولد يُنسب إليها ولا يُنسب لأبيه الزاني!!!.
هذا الكتاب يضحد هذا الرأي ويبين مخالفته لكتاب الله ولسنة نبي الله صل الله عليه وسلم، فأرجو منكم الإطلاع على الكتاب.. وجزاكم الله خير.




رابط مباشر للكتاب
:
https://drive.google.com/file/d/1shm...w?usp=drivesdk

ولدالزنا
(قراءة نقدية للموروث الفقهي)

بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الكتاب هو الكتاب الأول من سلسلة كتب سوف تصدر تباعا تحت عنوان "أفحكم الجاهلية تبغون"، والكتاب يلقي الضوء على واحدة من المسائل الفقهية الموروثة (ولد الزنا لمن ينسب؟) التي زعموا حصول الإجماع عليها من عامة علماء المسلمين أو جمهورهم وخلاصة رأيهم في هذه المسألة أن ولد الزنى ينسب إلى زوج الزانية إن كانت متزوجة وليس إلى أبيه الزاني الذي جاء من نطفته، وإذا كانت الزانية غير متزوجة فإنهم ينسبون الولد إليها وحدها دون شريكها في المعصية ويحرمون الولد في الحالتين من نسبه لأبيه الذي جاء من نطفته كما يُعفى الزاني (هذا العاصي المدلل) من واجب النفقة على مولوده ويحرم ابنه من ميراثه!!!! والكتاب الذي بين أيدينا يرد دعوى الإجماع هذه، ويثبت وجوب نسبة ولد الزنا لأبيه الزاني لأنه جاء من نطفته، مستندا في ذلك إلى نفس الروايات التي ساقوها لإثبات رأيهم، مبينا فساد استدلالهم، ومعارضته لصريح القرآن ومناقضته لإحكام العقل وقفزه عن مباديء العدل . كما يعرض الكتاب لجملة من الفتاوى المعاصرة في نفس الموضوع معلقا عليها ومبينا بطلان الرأي فيها. ويتعرض الكتاب أيضا لمسألة حق الزوج بنفي ولد الزنا باللعان، ويبين الكتاب أن آية اللعان جاءت حصرا في كتاب الله لنفي واقعة الزنا، ولا علاقة لها بنفي الولد الذي جاء نتيجة لهذه الواقعة، كما يبين تناقض هذه الفتوى مع الرأي الذي زعموا الإجماع عليه.


تمهيــــــــــــــد:

الشرائع السماوية وحي من الله المنزه عن النقص، ويفترض فيها أن توافق الفطرة وتقنع العقل
وأن تتنزه عن أي نقص، وهذا القول يصدق على النص المنزل من عند الله، والذي يعتبر المادة الأولية التي يستند إليها المجتهدون والمفكرون في استنباط الأحكام والأراء، أما هم وأقوالهم فبشر غير منزهين عن النقص والخطأ والهوى، مما يقتضي عدم نسبة أرائهم واستنباطاتهم إلى الوحي المنزه وإلحاقها به وإعطاءها حكمه، بل تقاس على النص الموحى به، وتحاكم إلى العقل الذي جعله الله مناطا للتكليف، ويحكم عليها بالصحة والبطلان بمقياس العقل والقرآن.

فإذا وجد تعارض بين العقل وما توصلت إليه جهود المجتهدين والمفكرين، فإن عقل المتلقي سوف يبقى قلقا مضطربا حتى يزول هذا التعارض، وما لم يزل هذا التعارض فغالبا ما يؤدي إلى رفض الأصل الذي جاءت منه هذه الأراء والأحكام المتعارضة مع عقله، وهو ما نراه يحدث لكثير من أصحاب الديانات التى تُصادم تشريعاتها صريح العقل.

ولو أخذنا مفكرا إسلاميا مثل "أحمد ديدات" فإنا نجده قد بذل جهودا مضنية في إظهار فساد معتقدات الديانات الأخرى بسبب معارضتها للعقل، وعلينا -حتى نكون منصفين- أن نرتضي لأنفسنا ما ارتضيناه للآخرين،فلا نقبل في منظومتنا الإيمانية والتشريعية ما يتعارض مع العقل كما رفضنا هذا التعارض عند الآخرين.

السؤال الذي يفرض نفسه:

إلى أي عقل نحتكم ؟ وهذا السؤال هو في الحقيقة إجابة معظم المشايخ حين تواجههم بمخالفة إستنتاجاتهم للعقل، فيجيبونك بسؤالهم هذا: إلى أي عقل نحتكم طالما أن العقول متفاوتة وعرضة للنقص والخطأ، ذلك أن الكمال لله وحده من دون البشر.

وهذه الإجابة تلغي دور العقل الذي يُفترض أننا وُهبناه لنميز به الصواب من الخطأ، وتتناقض مع القواعد العقلية التي تزخر بها مواضيع الثقافة الإسلامية قاطبة، ومن ذلك مبحث إزالة التعارض في علم أصول الفقه، والذي بموجبه حكموا برد الحديث دراية إذا تعارض مع صريح القرآن، وتحكيم الدراية يعني تحكيم العقل عند تعارض النصوص.

ومع ذلك أقول: نعم، العقول متفاوتة، متفاوتة في مستوى ذكاءها، ومتفاوتة في قدرتها على تحصيل العلم والمعرفة، وهذا لا خلاف فيه، وهي متفاوتة أيضا في نوع التفكير، فهناك أصحاب التفكير العقلي الفلسفي المجرد، وهناك أصحاب التفكير العلمي التجريبي، وهناك من يستهويهم التفكير الأدبي الإبداعي، وهذا التفاوت لا يعني بحال من الأحوال تفاوتها في بديهيات العقول، ولا يعني إستحالة اجتماع العقول على تقرير حقيقة من الحقائق. كل العقول لابد وأن تكون متفقة على حقائق العلم الثابتة مثل القول أن المادة موجودة في حالاتها الثلاث الصلبة والسائلة والغازية، وأن الخشب أقل كثافة من الماء لذلك تطفو الخشبة على الماء، وكل العقول لا بد وأن تجتمع على بديهيات العقل الأولية مثل قولنا الجزء أصغر من الكل، واستحالة اجتماع الضدين، وكل العقول مجتمعة حتما على حسن العدل وقبح الظلم وحسن الأمانة وقبح الخيانة. وبعد هذا يأتي من يبطل مقياس العقل بحجة التفاوت بين العقول!!!
والنص الموحى به من عند الله ألزم البشر صراحة ودون أي مواربة بالخضوع لحكم العقل، والأمثلة من القران الكريم كثيرة ولا تحصى، قال تعالى :
﴿ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن
يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ؟؟ وكذلك قول نبي الله ابراهيم عليه السلام محاججا قومه:﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ﴿٦٩﴾ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٧٠﴾قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ﴿٧١﴾ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴿٧٢﴾ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴿٧٣﴾
ولننتبه لسؤال نبي الله ابراهيم : هل يسمعونكم إذ تدعون ؟ سؤال بمنطق العقل البسيط الذي لايختلف على جوابه عقلان من عقول البشر!!

والإجابة على هذا السؤال هي: لا، لا يسمعون. ولا يُمكن أن يجيب أحد بغير هذا الجواب إلا أن يكون فاقدا لعقله، وعندما علم قوم ابراهيم أن إجابة هذا السؤال لا يُمكن أن تكون إلا بالنفي، كان عذرهم: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فأثبت لهم ابراهيم عليه السلام بمنطق العقل أنهم على خطأ عظيم وتبين لهم ذلك تماماً وتيقنوا منه ولكن فضلوا ألا يستعملوا عقولهم، وقد عاب الله سبحانه وتعالى على أمثال هؤلاء إعراضهم عن إستخدام نعمة العقل التى أنعم الله بها على عباده، فقال جل فى علاه : ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ وقال سبحانه مخاطبا أمثالهم:﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.

التحاكم إلى العقل الصريح في تمحيص المناهج والشرائع والنصوص في ديننا هو ميزان القرآن، وهو المنطق الذي لا يختلف عليه البشر بكل ألوانهم ودياناتهم وثقافاتهم، وهناك الكثير الكثير من الآيات التى تدل على هذا المعنى فى القرآن الكريم:﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾، الإجابة العقلية هي: لا يستويان. وكذلك قوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الإجابة مرة أخرى: لا يستويان، ولن تجد عاقلين يختلفان في إجابة هذا السؤال، بل إن الله سبحانه وتعالى حكّم العقل في قرآنه، فخاطب الجاحدين بقوله: ﴿أفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾... وكيف السبيل لمعرفة أن القرآن من عند الله وأن لا تضارب ولا تعارض ولا اختلاف بين آياته؟ أليس العقل؟؟!!

إذن تحكيم العقل في النصوص هو ما أرشدنا الله سبحانه وتعالى إليه، وهو المقصود من قوله "أفلا يتدبرون القرآن". وفي مواضع عديدة استنكر الله على عباده عدم إستخدامهم للعقل في سعيهم لمعرفة الخطأ من الصواب!!

وفي زمن شرعت فيه أبواب المعرفة على مصاريعها، وتفتحت فيه عقول الناس على كل المعارف والثقافات ومناهج التفكير، وغزت فيه الأسئلة كل العقول، ما عادت عقول أبناء المسلمين تستطيع الوقوف صامدة أمام كم الأسئلة التي تكشف مخالفة الموروث الفقهي للعقل في مواضيع شتى، وصار من السهل أن تسمع قول أحدهم إذا كان هذا من الدين فاعلم أني أرفضه. وجوابه هذا يحتمل معنيين: إما أنه ما زال على إيمانه ولا يصدق أن هذا من مقاصد الدين، وإما أن إيمانه بدينه الموروث بهذه النسخة المشوهة المتعارضة مع عقله قد تزعزع.


موقف الشيوخ من هذه التساؤلات
!!

غالبا ما نسمع منهم الإجابة التالية: القصور فى عقولكم أنتم!! فشرع الله ليس فيه ما يُخالف العقل (معتقدين أن ما يقولونه هو شرع الله). ولأن كثيراً من الناس يعتبرونهم الناطقين باسم الدين، أو أن قولهم هو الدين نفسه، فسوف يبدأ الشك في الدين نفسه يتسرب إلى عقولهم شيئا فشيئا. والطريف في الأمر، أنهم حين تواجههم بمسألة واضح تعارضها مع العقل وضوح الشمس في رابعة النهار، فإنهم يلجئون للإجابة الأخرى، ومفادها الدين لا يؤخذ بالعقل!! ولو كان الدين يؤخذ بالعقل لكان الأولى مسح باطن الخف بديلا عن ظاهره.
هم ببساطة عندهم لكل مقام إجابة فحين تكون المسألة غير واضح فيها مخالفتها للعقل سوف يجيبونك بالإجابة الأولى: "شرع الله ليس فيه ما يخالف العقل"، وعندما تكون المسألة واضحة في مخالفتها للعقل يجيبونك بالإجابة الثانية: "الدين لا يؤخذ بالعقل"

إذا كان الدين لا يؤخذ بالعقل أيها السادة الأفاضل فعلام تحاجون أصحاب الديانات الأخرى بالحجج العقلية والمنطقية؟ وإذا كنتم تتعبدون الله بمسح ظاهر الخف لأن الدين لا يؤخذ بالعقل..هكذا على إطلاقه، فعلام تدينون من يتعبد الله بتقديس بقرته على سبيل المثال؟ ماذا لو أجابكم من يتعبد الله بتقديس البقر بنفس حجتكم، الدين لا يؤخذ بالعقل؟؟!! أكنتم تقبلون حجته؟؟!!

ولنقف وقفة تفكر مع القول المنسوب لعلي بن أبي طالب "لو كان الدين يؤخذ بالعقل لكان مسح باطن الخف أولى من مسح ظاهره" ولنرى مدى حجيته في إسقاط مبدأ موافقة الدين للعقل:
أولا: مبحث أخذ الدين بالعقل من مباحث أصول الدين وليس من مباحث الفروع، ولا يصح الإستدلال على الأصول إلا بالأدلة القطعية، والقول المنسوب لعلي بن أبي طالب من أخبار الأحاد فلا يصلح دليلا على الأصول.
ثانيا: بعض المذاهب الإسلامية لا تأخذ بحكم المسح على الخفين، فهذا الحكم ليس حكما باتا لا خلاف فيه، بل من المسائل المترددة بين الإثبات والنفي في المذاهب الإسلامية، وهذا أيضا يمنع الإستدلال به على أصل من أصول الدين.
ثالثا: القول المنسوب لعلي بن أبي طالب موضوعه مسح الخف وهي مسألة من مسائل العبادات ومعلوم لديكم أن أحكام العبادات توقيفية ولا يلتفت في تفصيلاتها إلى موافقة العقل أو عدم موافقته، وإذا قلتم: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قلنا: أن قول الإمام ليس نصا تشريعيا ولا دليلاشرعيا حتى نطبق عليه قواعد التشريع ونستنبط منه أحكام، وإنما هو رأي له، ثم إن موضوع النص المسح على الخفين والمسح على الخفين من العبادات التي يمكن أن ينطبق عليها هذا القول لأنها كما قلنا توقيفية وليس بالضرورة أن تبحث فبها عن معنى عقلي مباشر، ولا يصلح نقل عموم اللفظ لشمل أحكام المعاملات والعقوبات لأنها حتما معقولة عند كل البشر، فلا يمكن لمشرع على سبيل المثال أن يضع عقوبة عمل تطوعي بحجة أن شرعه لا يؤخذ بالعقل!!! ولأن أحكام المعاملات تأخذ مع علتها ويقاس عليها، والقياس من عمل العقل.
رابعا: قول علي ليس وحيا منزلا ولا يصلح دليلا شرعيا، فقوله مثل قول أي صحابي لا يمكن اعتباره دليلا من الأدلة الشرعية، لأن أفراد الصحابة إختلفوا فيما بينهم في حكم المسألة الواحدة، فلو اعتبرنا قول كل منهم دليلا شرعيا لأجزنا ضمنا وجود التضارب في الأدلة الشرعية.
خامسا: القول المنسوب لعلي الراجح أنه جاء بلفظ لو كان الدين يؤخذ بالرأي وليس بالعقل، وهذا حق فالدين لا يؤخذ بالرأي. الدين يؤخذ بالوحي ولا بد أن يكون الوحي موافقا للعقل. فليس في قول علي معارضة لعدم وجود تعارض بين العقل والنقل، حتى في مسألة المسح على الخفين فيسهل علينا أن نجعل العقل يرجح المسح على ظاهر الخف لأن المسألة تعبدية أصلا فهي توقيفية، ثم أننا حين نمسح باطن الخف لا نقوم بتنظيف باطنه بل ربما قمنا بتوسيخ اليد الماسحة. ولذلك ومادامت المسألة تعبدية فمسح الظاهر أولى عقلا لأنه لا يؤدي إلى نقل ما علق بالباطن إلى الكف التي قامت بالمسح.

قولكم هذا: الدين لا يؤخذ بالعقل، طامة على دين الله ولو حاكمناكم بنفس منطقكم الذي تحاكمون به عباد الله -باسم الدين- لقلنا أنكم أبعد الناس عن دين الإسلام، ومرتكبي أكبر جريمة في حق دين الله، إذ ليس هناك أكبر قولا وأفظع تهمة من قولكم أن دين الله الذي خاطب به العقول يُخالف العقل. هل تفكرتم يوما ما في مدى وفحش التناقض في عبارتكم السالفة، ألستم أنتم من صدعتم رؤوس العالمين بقولكم أن هذا القرآن أنزل لقوم يعقلون؟؟!!

أيها السادة الأفاضل: ليس من العقل أن نستدل بالعقل على عدم إعمال العقل أو لإبطال إعمال العقل، ولن تجدوا عاقلا يجيز لكم ذلك، ويوافقكم عليه، بل على النقيض من ذلك فإن المعقول الذي لا معقول قبله ولا بعده أن نستدل بالعقل على وجوب إعمال العقل لا إبطاله.. فإذا كنتم تحاجوننا بالعقل لنصل معكم إلى أن الدين لا يؤخذ بالعقل، فهذا يعني أنكم تريدون أن توصلونا بالمحاججة العقلية إلى عدم إستعمال العقل، أي أنكم تريدون إبطال العقل بالعقل!!!! وهذا التناقض وحده كاف لإبطال حجتكم إن كنتم تعقلون.

هذا الكتاب سيرد بعض كلامكم أيها السادة الفضلاء -أعني المشايخ- متوخيا منكم أن تصغوا بعقولكم لا بأذانكم، وأن توسعوا صدوركم وأن لا تتنازلوا عن شعاركم المسطور أعلاه.. كل ابن آدم يؤخذ من كلامه ويرد عليه.

و سأتناول فيه موضوعا من جملة المواضيع التى أرى أنكم خالفتم فيها صريح العقل، بل وخالفتم فيها النص القرآني الصريح وبعض (الأحاديث) والموضوع هو ولد الزنا .. لمن يُنسب ؟

ولد الزنا: لمن يُنسب ؟

مسألة ولد الزنا، من المسائل التى أعطى فيها الفقه الإسلامي رأيا مثيرا للجدل والإستغراب، ولأن الناس -جل الناس- ينظرون إلى أحكام الفقه الإجتهادية على أنها هي الإسلام أو جزء منه بسبب إستنادها ظاهرا للأدلة الشرعية من قرآن وسنة (حديث)، فإن هذه المسألة لغرابة الرأي المُعطى فيها ولحيده عن العدل، فلا بد وأن تستفز عقل الناظر فيها، وتجلب إليه سيلا من التساؤلات، كما يسهل أن تكون مدخلا لنقد الإسلام واتهامه بسوء معالجة الواقع. وبضم هذا الرأي إلى أشباهه من الأراء ستكون مدخلا لإعمال معول الهدم في الإسلام وليس مجرد اتهامه بسوء معالجة الواقع.

ويتسلح المدافعون عن هذا الرأي بزعم إجماع العلماء عليه، بعد أن جعلوا من الإجماع دليلا شرعيا لا يجوز رده وليس مجرد رأي إجتهادي تصح مخالفته والقول برأي غيره.

وخلاصة الرأي الذي أجمعت عليه جميع كتب علماء أهل السنة في هذه المسألة، أن ولد الزنا لا يُنسب إلى أبيه الزاني، بل يُنسب إلي زوج المرأة إن كانت متزوجة، وإلى أمه إن لم تكن متزوجة، فليس للأب الذي من صلبه هذا الولد الحق فيه ابداً، وليس للولد الذي هو من صلب ذاك الرجل الحق في أبيه!! .
يقول الإمام النووي مفسراً الحديث الشائع (الولد للفراش وللعاهر الحجر): "معناه إذا كان للرجل زوجة أو مملوكة صارت فراشا له فأتت بولد لمدة الإمكان لحقه وصار ولدا له يجري بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة سواء كان موافقا له في الشبه أو مخالفا له. نقله السيوطي رحمه الله كذا في المرقاة .

وأول ما يتبادر إلى الذهن بمجرد الإطلاع على هذا الرأي المنافي للواقع والحائد عن العدل: ما هو ذنب ابن الزنا فيما وقع لهُ حتى نحرمه من أبيه الحقيقي؟ وبإي مسوغ من مسوغات العقل والشرع نعفي الزاني من نتيجة الفعلة التي فعلها ونحمل عبء هذه النتيجة لزوج امرأة خانته؟ فإن قلتم هذا من باب حماية ولد الزنا من تعييره بذنب أبيه، لقلت هذا عذر أقبح من ذنب. هل يجوز لنا أصلا أن نعيره على ذنب لم يرتكبه؟ على أنه ابن زنا ونرفضه في المجتمع ....الخ ؟

أقول متاكداً، أن إجابتكم ستكون: ابن الزنا لا ذنب له في جريمة حصلت قبل خروجه إلى الحياة ومن الظلم الفاحش معايرته بذنب لم يرتكبه ولم يكن طرفا فاعلا فيه بل نتيجة من نتائجه، فهو لم يختر لنفسه أن ياتي من هذا الطريق غير الشرعي وسوف تستدلون على دفاعكم هذا بآية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾.

ولكن لأنكم تستبعدون العقل عند النظر في العلوم الشرعية فإنكم سرعان ما تناقضون أنفسكم في موضع آخر، يظهر هذا جليا في تفسيركم لآية "عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ" التي قلتم في تفسيرها دون أدنى مواربة: الزنيم هو ابن الزنا، وسميتم الشخص الذي نزلت فيه هذه الآية، فقلتم نزلت في الوليد بن المغيرة هكذا دون أي مواربة.. لو أعملتم العقل لحظة لعلمتم أن الله لا يفضح عبدا من عباده بسبب ذنب لم يرتكبه هو، لا أدري كيف خطر ببالكم أن يعير الله واحدا من خلقه على ذنب لم يصدر عنه؟؟!! أَفهمتم الآن لماذا قال ابن رشد –رحمه الله- "إن الله لا يمكن أن يعطينا عقولاً، ويعطينا شرائع مخالفة لها"

ومن الإنصاف قبل الشروع في نقد هذا الرأي ومناقشته لبيان مدى بعده أو قربه من مقاصد الشريعة الإسلامية، أن نأتي بمجموعة من النقولات من مصادر الموروث الفقهي الذي ورثَنا هذا الرأي، وأن نستعرض جملة من الفتاوى التي أصدرها مشايخ هذا الزمان استنادا إلى الفقه الموروث، ونستحضر مع هذه النقولات وهذا الإستعراض جملة الأدلة التي إتكأتم عليها في الوصول لرأيكم هذا.

وما هذا إلا لدحض الحجج التي إستندتم إليها وبيان مدى تهافتها وتناقضها وعدم صمودها أمام النقد المتفحص، وإلا فإنه كان يكفيني الحجة العقلية -متجاوزا كل الذي خضتم فيه- لو علمت أنكم تقبلون حجة العقل -الذي أنعم الله به علي وعليكم- حكما فاصلا فيما بيننا.وهاكم حجة العقل فيما نحن فيه مختلفون:
أولا : إنكم بإنكار نسبة ولد الزنا إلى أبيه الزاني إنما تنكرون الواقع حيث أن الله سبحانه جعل من سننه أن نطفة ما من رجل محدد تقوم بتلقيح بويضة ما لامرأة محددة تنتج جنينا يكون واقعيا ابنا لهذا الرجل وهذه المرأة، فكيف قبلت عقولكم أن يكون حكم الله مخالفا لهذا الواقع الناشيء عن سنة من سننه التي أودعها في مخلوقاته؟ خاصة ونحن في زمن نستطيع فيه من خلال مايسمى بالبصمة الوراثية تحديد الأب الفعلي لكل مولود تلده إمرأة.
ثانيا : بأي عقل تلزمون زوجا بولد كان سبب خروجه للحياة خيانة زوجته له حين عاشرت رجلا آخر وحملت منه، علما أنه وفي أحسن الأحوال فإن الزوج سيتخلى ليس فقط عن نتاج هذه الجريمة بل سيتخلى عن زوجته التي خانته، رافضا الإستمرار بالعيش معها ما دام عنده مسحة كرامة ... هذا إذا لم يقدم على إنهاء حياتها.
ثالثا : أين ذهبتم بمقياس العدل حين سمحتم لأنفسكم بتحميل مسؤولية ولد الزنا لغير أبيه؟؟!! هل من العدل أن يحمل عبأ المولود شخص آخر غير أبيه، فقط لأنه زوج امرأة خائنة؟؟! وكأنكم تقولون نعم تزر وازرة وزر أخرى.
رابعا : كيف سمحتم لأنفسكم بالقفز عن قوله تعالى "ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ" بآدعاء أن سبب نزولها إبطال موضوع التبني، واستحضرتم كل مسوغ لحصرها في سبب النزول مغمضين أعينكم عن قاعدة من قواعد الإستنباط التي تعتمدونها في الوصول لأحكامكم الإجتهادية، ألا وهي "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب".
كانت هذه النقاط الأربعة كافية من وجهة نظري لرد آدعائكم، ولكني ومن باب إلزامكم بمنهجكم الذي أوصلكم لهذا الرأي المنافي للعقل وللعدل ولكتاب الله، سوف أقوم باستعراض أدلتكم وأقوالكم وفتاويكم ومناقشتها بعين المتفحص لبيان بطلان النتيجة التي توصلتم إليها.

مناقشة الأدلة


الزنا هو إتيان المرأة بدون عقد شرعي. والزنا محرم شرعا وأدلة تحريمه من القرآن ظاهرة لا تخفى على أحد، كقوله تعالى "ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا".
وولد الزنا هو كل مولود جاء للحياة نتيجة علاقة غير مشروعة بين رجل وامرأة. وإذا سألتني لماذا لم يبين الله أحكام ولد الزنا في القرآن الكريم؟ لأجبتك لأنه بكل بساطة مثل كل أولاد الدنيا ابن أمه وأبيه الفعليين "وهما هنا الزاني والزانية" فمثلما أن الإبن الشرعي يرث أبويه ويورثهما – على سبيل المثال لا الحصر- فإن ولد الزنا يأخذ نفس هذا الحكم فيما يتصل بعلاقته مع أمه وأبيه الفعليين، وحين يقول الله سبحانه وتعالى: "وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ". فليس هناك ما يدعو إلى تفصيل نوع الأبوين، لأنه – سبحانه - يتحدث عن أبوي أي مولود سواء كان قد جاء للحياة بطريقة مشروعة أو غير مشروعة، وليس هذا قول اعتباطي، فواقع الحال الذي لا يملك أحد نفيه ولا يصح إنكاره من عاقل، هو أن ولد الزنا مثله مثل الولد الشرعي ابن أمه وأبيه، فهما أبويه الفعليين والنص ينطبق عليهما كما ينطبق على الأبوين الشرعيين بلا أدنى فرق، وما دام أن الله سكت عن التفصيل والتفريق بين ولد الزنا والولد الشرعي في وحيه المنزل، فهذا وحده دليل كاف على عدم وجود فرق في الأحكام بينهما، لأنه لا يصح في الأذهان أن يسكت الشارع حين الحاجة إلى البيان، كما لا يصح أن ننسب لساكت قول.
إلا أن جميع كتب علماء أهل السنة، أجمعت على أن ولد الزنا لا يُنسب إلى أبيه الزاني!!!! بل يُنسب إلى زوج المرأة إن كانت متزوجة، وإلى أمه إن لم تكن متزوجة، فليس للأب الذى من صلبه هذا الولد الحق فيه أبداً، وليس للولد الذى هو من صلب ذاك الرجل الحق في أبيه !! . فأصحاب المذاهب الأربعة وكذلك الظاهرية متفقون على إلحاق ولد الزنا بأمه. ويقولون صراحة أن المرأة المتزوجة، إذا أتت بولد (سفاح) فإن الولد يُنسب للزوج فى أي حال، سواء كان هذا المولود شبهاً للزوج أو لم يكن ، إلا إذا أراد الزوج أن ينفيه فيحق لهُ ذلك ولكن لابد أن ينفيه باللعان .
وما هذا الرأي الغريب العجيب المنافي لواقع الحال إلا بسبب الروايات والأحاديث المنسوبة للنبي -رغم تناقضها وتعارضها- التي اعتلت فوق كتاب الله فأسكتته ونطقت عنه، وغيبت عقول متبعيها لدرجة جعلتها تصدر أحكاما تخالف الواقع المحسوس. وأشهر الروايات في هذا الباب عند أصحابها هو هذا القول المنسوب للرسول "الولد للفراش وللعاهر الحجر". كما جاء في سنن أبي داوود (باب الطلاق) أن الرسول قال في ولد الزنا "لأهل أمه من كانوا".
وجاء في كتاب التعريفات للجرجاني: الفراش بمعنى الوطء، كما تستعمل بمعنى كون المرأة متعينة للولادة لشخص واحد، ومن معاني الفراش كذلك كما جاء في لسان العرب لابن منظور: المرأة فإنها تسمى فراش الرجل.
يقول الإمام النووي مفسراً (الولد للفراش وللعاهر الحجر): معناه إذا كان للرجل زوجة أو مملوكة صارت فراشا له فأتت بولد لمدة الإمكان لحقه وصار ولدا له يجري بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة سواء كان موافقا له في الشبه أو مخالفا له . نقله السيوطي رحمه الله كذا في المرقاة.
ويقول ابن حجر في كتابه فتح الباري: نُقل عن الشافعي أنه قال: لقوله الولد للفراش معنيان: أحدهما هو ما لم ينفه، فإذا نفاه بما شُرع كاللعان انتفى عنه والثاني: إذا تنازع رب الفراش والعاهر (الزاني). ثم قال: (وللعاهر الحجر ) أي للزاني الخيبة والحرمان، والعهر الزنا، وعنى الخيبة هنا: حرمان الولد الذي يدعيه.
وجاء في كتاب بدائع الصنائع للكاساني: "قوله صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر، أي لصاحب الفراش، والمراد من الفراش هو المرأة، فإنها تسمى فراش الرجل ولحافه وإزاره، والنبي أخرج الكلام مخرج القسمة، فجعل الولد لصاحب الفراش والحجر للزاني، فاقتضى أن لا يكون الولد لمن لا فراش له كما لا يكون الحجر لمن لا زنا منه، إذ القسمة تنفي الشركة".
جاء في سنن الترمذي، كتاب الفرائض، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله قال: "أيما رجل عاهر بحرة أو أمة فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث". وهذا يعني عند أصحابه أن ولد الزنا لا يلحق بأبيه الحقيقي وإنما ينسب لأمه. كما أنهم لم يوجبوا نفقة على أبيه الزاني.
الخلاصة أنك حيثما قلبت الرأي في هذا الموضوع ستجد أن فقهاء أهل السنة مجمعين على أن ولد الزنا لا ينسب للزاني إن كانت أمه فراشا، ولا ينسب للزاني على الراجح إن كانت أمه غير فراش.
وقد يستطيع البعض أن يجادل في عدم نسبة ولد الزنا إلى أبيه الزاني في حال كانت أمه فراشا لزوجها، بحجة شبهة أن يكون الولد قد جاء من نطفة زوجها، لكن ما حجتهم في الإصرار على عدم نسبة الولد لأبيه الزاني في حال كانت المرأة غير متزوجة؟؟!! كلاهما عاهر هي زانية وهو زان، وليس هناك احتمال أن يكون الولد قد جاء من زوجها لأنها غير متزوجة ولا زوج لها. الزاني والزانية في هذا الحالة متساويان، فبأي عقل توصلتم إلى وجوب نسبته لأمه، وأعفيتم الأب عن مسؤوليته إخراج هذا المولود إلى الحياة؟؟!!
إن هذا الإصرار على عدم نسبة الولد لأبيه في حالة المرأة غير المتزوجة، يدل على أن شبهة أن يكون الولد قد جاء من نطفة الزوج في الحالة الأولى ليست هي السبب في رفضهم نسبة الولد لأبيه الزاني، بل السبب هو الروايات الظنية التي اتخذوها أساسا لاستنباطاتهم في هذه المسألة دون أن يلمحوا مخالفتها للعقل والواقع ومعارضتها للوحي المنزل "ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ" وتناقضها فيما بينها.
في كتب الحديث قصة لرجل اسمه زمعة، تقول القصة: أن رجلا اسمه زمعة –والد سودة زوج رسول الله- لهُ جارية، كان يطئها. في بعض الروايات تقول سودة رضي الله عنها أن أبيها -زمعة- كان يشك في أن رجلا آخر كان يطئ جارية له، ثم مات أبيها فولدت الجارية ولدا يشبه ذلك الرجل، فذكرت سودة ذلك لرسول الله فقال: الولد للفراش واحتجبي منه ياسودة فإنه ليس لك بأخ.
وفى روايات أخرى للقصة: روي أنه اختصم سعد بن ابى وقاص وعبد ابن زمعة في غلام، فأتيا رسول الله، فقال سعد: مشيرا إلى الغلام أنه ابن أخيه عتبة من جارية زمعة، فقال عبد: بل هو أخي من أبي -يقصد أبيه زمعة- من جاريته، فقال سعد انظر إلى شبهه يارسول الله، إنهُ يُشبه أخى عتبة، تقول الرواية: فنظر رسول الله، فرأى شبهاً بيناً بعتبة. إلى أخر الحديث. وإليكم الروايات كما جائت في مصادرها، بعد أن نعمد إلى قسمتها لمجموعتين: حيث نلاحظ من روايات القسم الأول أن حديث الولد للفراش جاء نتيجة لذهاب سودة لرسول الله وسؤاله عن ابن الجارية، بينما روايات القسم الثاني تشير إلى أن قول الرسول الولد للفراش جاء على إثر تخاصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في ولد الجارية
ونبدأ بروايات القسم الأول
1- كانت لزَمعةَ جاريةٌ يطؤُها وَكانَ يظنُّ بآخرَ أنَّهُ يقعُ عليها فجاءَت بولدٍ يُشبِهُ الَّذي كانَ يظنُّ بهِ فماتَ زمعةُ فذكرَت ذلِكَ سودَةُ للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ الولَدُ للفراشِ واحتجِبي منهُ يا سَودةُ فليسَ لَكِ بأخٍ
الراوي: عبدالله بن الزبير المحدث: ابن حجر العسقلاني - المصدر: فتح الباري لابن حجر - الصفحة أو الرقم: 12/38خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن
2 - كانت لزمعةَ جاريةٌ يطؤُها هوَ وكانَ يظنُّ بآخرَ يقعُ عليها فجاءت بولَدٍ شبهِ الَّذي كانَ يظنُّ بهِ فماتَ زمعةُ وهيَ حُبلى فذكرَتْ ذلكَ سودَةُ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ الولدُ للفراشِ واحتجِبي منهُ يا سودةُ فليسَ لكِ بأخٍ
الراوي: عبدالله بن الزبير المحدث: السيوطي - المصدر: شرح النسائي للسيوطي - الصفحة أو الرقم: 6/492 خلاصة حكم المحدث: (ليس بأخ لك) زيادة باطلة مردودة
3 - كانت لزمعةَ جاريةٌ يطؤُها هوَ، وَكانَ يظُنُّ بآخرَ يقعُ علَيها فجاءَت بولدٍ شَبهَ الَّذي كانَ يظُنُّ بهِ فماتَ زمعةُ وَهيَ حُبلى فذكرَت ذلِكَ سودةُ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : الولَدُ للفراشِ، واحتجِبي منهُ يا سودَةُ ، فليسَ لَكِ بأخٍ
الراوي: عبدالله بن الزبير المحدث: الألباني - المصدر: صحيح النسائي- الصفحة أو الرقم: 3485 خلاصة حكم المحدث: صحيح [لغيره]
وهذه هي المجموعة الأخرى من الروايات
1 - عن عبد الله بن زَمْعَةَ أنه خاصمَ رجلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ولدِ ولدٍ على فراشِ أبيهِ فقال النبي صلى الله عليه وسلم الولدُ للفراشِ واحتجبِي منه يا سودَةُ
الراوي: عبدالله بن زمعة المحدث: الطحاوي - المصدر: شرح مشكل الآثار - الصفحة أو الرقم: 11/9 خلاصة حكم المحدث: خالف حماد بن سلمة يحيى بن أيوب و غيره [فقالوا] عن عائشة وهو أولى .
2 - عن عائشةَ قالَتْ: اختصمَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ. وعبدُ بنُ زَمعةَ في ابنِ زمعةَ فقال سعدٌ: أوصاني أخي عتبةُ إذا قدمْتَ مكةَ فأنظرْ ابنَ أمةِ زمعةَ فهو ابني. وقال عبدٌ هو ابنُ أمةِ أبي وُلِدَ على فراشِ أبي فرأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ شَبهًا بيِّنًا بعتبةَ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ: الولدُ للفراشِ واحتَجِبي منه يا سودةُ
الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: ابن حزم - المصدر: المحلى - الصفحة أو الرقم: 11/280 خلاصة حكم المحدث: احتج به ، وقال في المقدمة: (لم نحتج إلا بخبر صحيح من رواية الثقات مسند)
3 - اختصمَ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ ، وعبدُ بنُ زمعةَ قالَ سعدٌ أوصاني أخي عتبةُ إذا قدمتَ مَكَّةَ فانظرِ ابنَ وليدةِ زمعةَ فَهوَ ابني فقالَ عبدُ بنُ زمعةَ هوَ ابنُ أمَةِ أبي وُلِدَ علَى فراشِ أبي فرأى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ شبَهًا بيِّنًا بعُتبةَ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ الولَدُ للفراشِ ، واحتجِبي منهُ يا سَودةُ
الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: الألباني - المصدر: صحيح النسائي - الصفحة أو الرقم: 3487 خلاصة حكم المحدث: صحيح
4 - إن عتبةَ بنَ أبي وقَّاصٍ، عَهِدَ إلى أخيه سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ: أن يَقْبِضَ إليه ابنَ وليدةِ زَمْعَةَ، قال: عتبةُ إنه ابني ، فلما قَدِمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الفتحِ، أَخَذَ سعدٌ ابنَ وليدةِ زَمْعَةَ، فأَقْبَلَ به إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأقبلَ معه بعبدِ بنِ زَمْعَةَ، فقال سعدٌ: يا رسولَ اللهِ، هذا ابنُ أخي، عَهِدَ إليَّ أنه ابنُه، فقال عبدُ بنُ زَمْعَةَ: يا رسولَ اللهِ، هذا أخي، ابنُ وليدةِ زَمْعَةَ، وُلِدَ على فراشِه، فنَظَرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى ابنِ وليدةِ زَمْعَةَ، فإذا هو أَشْبَهُ الناسِ به، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هو لك يا عبدَ بنِ زَمْعَةَ. مِن أجل أنه وُلِدَ على فراشِ أبيه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: احتجبي منه يا سودةَ بنتَ زَمْعَةَ. مما رأى من شَبَهِهِ بعُتْبَةَ، وكانت سودةُ زوجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 2533 خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
5 - كان عتبةُ بن أبي وقاصٍ عهد إلى أخيه سعدٍ: أن يقبض ابن َوليدةِ زمعةَ، وقال عتبةُ: إنه ابني، فلما قدم النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مكةَ في الفتح، أخذ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ ابنَ وليدةَ زمعةَ، فأقبل به إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وأقبل معه عبدُ بنُ زمعةَ، فقال سعدُ بنُ أبي وقاصٍ: هذا ابن أخي، عهد إليَّ أنه ابنُه. قال عبدُ بنُ زمعةَ: يا رسولَ اللهِ، هذا أخي، هذا ابنُ زمعةَ، ولد على فراشِه. فنظر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى ابن وليدةِ زمعةَ، فإذا أشبه الناسِ بعتبة ابنِ أبي وقاصٍ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (هو لك، هو أخوك يا عبدُ بنَ زمعةَ). من أجل أنه وُلد على فراشِه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (احتجبي منه يا سودةُ). لما رأى من شبهِ عتبةَ بن أبي وقاصٍ. قال ابن شهابٍ: قالت عائشةُ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ( الولدُ للفراشِ وللعاهرِ الحجَرُ ). وقال ابنُ شهابٍ: وكان أبو هريرةَ يصيحُ بذلك.
الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 4303 خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
6 - أنَّ عبدَ بنَ زمعةَ وسعدَ بنَ أبي وقاصٍ، اختصما إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في ابنِ أمةِ زمعةَ، فقال سعدٌ: يا رسولَ اللهِ، أوصاني أخي إذا قدمتُ أن أنظرَ ابنَ أمةِ زمعةَ فأقبضه، فإنه ابني، وقال عبدُ بنُ زمعةَ: وأخي وابن أمةِ أبي، ولد على فراشِ أبي. فرأى النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شبهًا بينًا بعتبةَ، فقال: هو لك يا عبدُ بنَ زمعةَ، الولدُ للفراشِ، واحتجبي منه يا سودةُ.
الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 2421خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

7 - إنَّ ابنَ زمعةَ وسَعدًا اختَصما إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ في ابنِ أمَةِ زمعةَ فقالَ سعدٌ: يا رسولَ اللَّهِ، أوصاني أخي إذا قَدِمْتُ مَكَّةَ أن أنظرَ إلى ابنِ أمةِ زمعةَ فأقبِضَهُ، وقالَ عبدُ بنُ زمعةَ: أخي وابنُ أمَةِ أبي، وُلِدَ على فراشِ أبي، فرأى النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ شبَهَهُ بعُتبةَ، فقالَ: هوَ لَكَ يا عبدُ بنَ زمعةَ، الولَدُ للفِراشِ، واحتَجِبي عنهُ يا سَودةُ
الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 1643خلاصة حكم المحدث: صحيح

8- اختصم سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ وعبدُ بنُ زَمعةَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في ابنِ أمةِ زَمعةَ فقال سعدٌ أوصاني أخي عُتبةُ إذا قدمتُ مكةَ أن أنظرَ إلى ابنِ أمَةِ زَمعةَ فأقبِضُه فإنه ابنُه وقال عبدُ بنُ زَمعةَ أخي ابنُ أمَةِ أبي وُلِدَ على فراشِ أبي فرأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شبهًا بيِّنًا بعُتبةَ فقال الولدُ للفراشِ وللعاهرِ الحجرُ واحتجِبي عنه يا سودةُ زادُ مُسدِّدٌ في حديثِه هو أخوك يا عبدُ
الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: أبو داود - المصدر: سنن أبي داود - الصفحة أو الرقم: 2273 خلاصة حكم المحدث: سكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح]

9- عن عائشةَ اختصمَ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ وعبدُ بنُ زمعةَ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في ابنِ أمةِ زمعةَ فقالَ سعدٌ أوصاني أخي عُتبةُ إذا قدمتُ مكَّةَ أن أنظرَ إلى ابنِ أمةِ زمعةَ فأقبِضَهُ فإنَّهُ ابنُهُ وقالَ عبدُ بنُ زمعةَ أخي ابنُ أمَةِ أبي وُلِدَ على فراشِ أبي فرأى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ شبهًا بيِّنًا بعتبةَ فقالَ الولدُ للفراشِ وللعاهرِ الحجرُ واحتجِبي عنهُ يا سوْدَةُ زادَ مسدَّد في حديثِهِ وقالَ هوَ أخوكَ يا عبدُ
الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: الألباني - المصدر: صحيح أبي داود- الصفحة أو الرقم: 2273 خلاصة حكم المحدث: صحيح

في أحاديث المجموعة الأولى نلاحظ أن سودة قد أشارت إلى الشبه الموجود بين الولد وأبيه (الزاني) واحتجت به وجاء حكم النبي بناء على ما قالته سودة، أما في أحاديث المجموعة الثانية فإن سعد بن أبي وقاص لفت نظر رسول الله إلى هذا الشبه كما هو وارد في منطوق الحديث، فيلتفت الرسول ليرى ويتأكد فلماذا أغفل سادة الفقه السني تاريخيا ومن تبعهم فيه من مقلديهم المفتين في عصرنا الحاضر موضوع الشبه؟

دعونا ننظر بتأمل فى روايات القصة من خلال المجموعتين لنتبين ما إذا كان الرسول سيحكم بالغلام لأبيه الحقيقي وهو عتبة ابن أبي وقاص أم سيحكم به إلى زمعة صاحب الجارية؟؟
إذا ما أضفنا سياق الروايات وحيثياتها إلى مقاصد الشرع وأحكام العقل لا بد وأن يوصلنا كل هذا إلى خلاف ما نطقت به كتب الفقه واجتهادات الفقهاء وفتاوى المقلدين، التي صرحت أن الولد للفراش، بمعنى لزوج الزانية حتى وإن أثبت فحص الدي أن أي نسبته للزاني.
إذا نظرنا إلى الأحاديث في المجموعة الأولى وأحسنا قراءتها وتدبرها سنجد أن رسول الله أخذ بالشبه بناء على ما روته سودة فقضى أن الغلام لصاحب الفراش: بمعنى "الرجل الذى جامع المرأة وكان الولد نتيجة لذلك الجماع" وليس كما فهم السادة الفقها وأتباعهم من أصحاب الفتاوى المقلدون، وقد أوردنا في مقدمة البحث أن أول معنى للفراش في تعريفات الجرجاني الوطء والزاني هو فاعل الوطء الذي جاء منه الولد فيكون هو المعني بلفظ الفراش، ثم أن الرسول عقب على قوله الولد للفراش بقوله واحتجبي منه يا سودة.
خذ العبارتين معا (الولد للفراش) و (احتجبي منه يا سودة) وتفكر هل يمكن أن يكون معنى العبارة الأولى هو ابن أبيك ياسودة، ثم يأمرها أن تحتجب من ابن أبيها؟؟!! هذا الفهم تحيله العقول السليمة، فيكون الفهم السليم حسب القصة وسياقها أن كلمة الفراش في عبارة الولد للفراش تعني -حسب سياق القصة وحسب تعقيب الرسول- الرجل الذي جامع الجارية فأنجبت منه "الغلام" ، وليس صاحب الفراش السيد أو الزوج كما هو مسطر في كتب فقه أهل السنة.
أما روايات المجموعة الثانية ففيها قول سعد رضي الله عنه مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: انظر إلى شبهه، إنهُ يشبه أخي عتبة، فنظر رسول الله إليه. فما قيمة طلب سعد؟ وما قيمة استجابة الرسول لطلبه إذا كان الشرع يحكم بأن الولد لزوج الزانية في كل الأحوال؟ أما كان الأولى أن يجيب رسول الله سعدا بقوله ما لنا وللشبه ياسعد إنما الولد للفراش أي للزوج!!! إلا إنه لم يفعل وراح يتبين الشبه.
إن في ذلك دلالة صريحة وواضحة أنهم كانوا يأخذون بالشبه فى مثل هذه الأمور، وإلا لما طلب سعد ذلك، ولما استجاب رسول الله لطلبه وراح ينظر إن كان الغلام يشبه عتبة أو لا يشبهه. ولأجاب سعدا نحن لا نحكم بالشبه دون أن ينظر إلى الغلام ويتبين شبهه، تماما كما تفعلون اليوم أيها السادة الأفاضل. وكما صرح به الإمام النووي قائلاً: لا معنى للشبه أبداً فى حكم الولد، ففى كل الحالات الولد يُنسب للزوج أو سيد الأمة. وأقول أنه لو كان الأمر كما يقول النووي وكما تقولون اليوم، لو كان الأمر كذلك، لرد الرسول صلى الله عليه وسلم حجة سعد وأجاب بما يشبه كلام النووي، ولو لم يكن للشبه معنى كما يقول الأمام النووى، لماذا يقول النبي فى حديث هلال ابن أمية فى قصة اللعان عندما زنت زوجته: أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الإليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء، وشريك بن سحماء هو الزاني فى تلك القصة التي سنأتي إليها لاحقا، فلماذا أخذ رسول الله بشبه الولد فى تلك القصة ولم يأخذ بها فى هذه كما جاء في الفهم الفقهي السائد ؟!! سنناقش قصة هلال بن أمية بالتفصيل في فصل لا حق، ولكن هنا أردت التنبيه فقط لقول رسول الله فهو لشريك بن سمحاء بناء على الشبه
نعود مرة أخرى لروايات القصة وننظر إلى الفرق بين رواية القصة من سودة رضى الله عنها، ورواية القصة من عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، حيث نجد أن رواية سودة لا ذكر فيها لتخاصم سعد وعبد ابن زمعة. بينما فى رواية عائشة تختلف القصة ويجري بنائها على هذا التخاصم بين سعد وعبد بن زمعة!!.
فهل حصلت القصة مرتين؟؟ لو أن القصة حصلت مرتين فعلا، وكانت الأولى ما روته سودة، فسيتضح الحكم تماماً، أن رسول الله نسب الغلام للزانى لأنه طلب من سودة أن تحتجب منه.
وطبعا لا يُمكن أن تكون رواية عائشة قد سبقت رواية سودة !! لسبب واحد بسيط جداً، تقول رواية عائشة أن سودة كانت موجودة عندما أتى سعد بالغلام، فأمرها رسول الله أن تحتجب منه .. ، فلو كانت رواية سودة هي الاولى فيفترض أن تكون سودة محتجبة منه سلفاً بل ويُفترض أن تُعلم كل أهلها بحكم النبي المسبق في أمر الغلام حتى لا يحسبه باقي أخواتها وأخوانها وعماتها واحد منهم ...، فكيف يأتي أخوها – عبد – مرة اخرى وينازع في الغلام؟!!
ولو سبقت رواية عائشة رواية سودة، فكيف تأتى سودة مرة أخرى وتذكر نفس القصة للرسول بصورة مختلفة ؟!!
وبهذا تتبين لنا مدى ما في هذه الروايات من إشكالات ومدى تضاربها مع بعضها البعض، مما يضع (علماء الحديث) أمام جملة من التساؤلات، فكيف تكون هذه الرواية صحيحة والأخرى صحيحة مع استحالة الجمع بينهما.
أعود فأقول إذا أخذنا برواية سودة فسينتهي الإشكال، لأن حكم النبي واضح وضوح الشمس في نسب ولد الزنا، وإذا اسقطنا هذه الرواية واخذنا برواية عائشة فسننتهي إلى إشكال آخر وهو : تلك الزيادات الواردة في المجموعة الثانية في عبارات ثلاث: "الولد للفراش" "واحتجبى منه ياسودة" "فإنه ليس لك بأخ". مثل (قوله) صلى الله عليه وسلم: "هو لك يا عبدَ بنِ زَمْعَةَ" أو "هو أخوك يا عبدُ" كما جاء في زيادة مسدَّد.
إذ كيف يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، شبهاً بيناً للغلام بعتبة (الزانى) ثم يحكم بالغلام لسيد الأمة زمعة ، كيف ذلك ؟!! علما أن الفقهاء أنفسهم يقرون أن الولد لعتبة، ويدعون أن النبي يعلم ذلك ومع ذلك حكم بنسبته للزوج ... حفاظاً على الأعراض ولم شمل الأسرة ؟!! .
وهذا يعني أنهم يقولون على الزوج أن يتحمل نتيجة زنا زوجته ويقبل بمن تأتى به من هذه الجريمة، ربما بحجة التغطية على الفضيحة التي سوف تنال المرأة والزوج والولد !! . ولكن هل يجوز ستر الفضيحة في هذه الحالة حتى لو أدى ذلك إلى الإختلاط والخلط فى الأنساب وغيره؟؟.
ونعود في هذه النقطة إلى ما في أقوال الموروث الفقهي والتفسيري من تناقض، فقد جاء في تفسيرهم للأية الكريمة :﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾، قولهم: الزنيم هو ولد الزنا، فكيف –بربكم- يناقض الله سبحانه وتعالى نفسه، فيمنع نسب ولد الزنا إلى أبيه الزاني حفاظاً على الأعراض وسترا للفضيحة ، ثم يأتي في موقع آخر ويفضح عبدا من عباده دونما
أي تورية ؟!!! .
يمكننا أن نكتب المجلدات في نقد روايات الحديث وتناقضاتها مع بعضها البعض، ومخالفتها للعقل والواقع، ومعارضتها للقرآن الكريم، وضعف انسجامها مع التاريخ المؤكد، ولكن ليس هذا موضعها، ويكفي أن نشير هنا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أن هذه الروايات هي روايات ظنية في أحسن الأحوال حسب ما هو مقرر في علم مصطلح الحديث الذي هو مستندكم الأول في نقد الروايات إلى جانب علم الجرح والتعديل، وليس من العدل والعقل والشرع أن تقدموا روايات ظنية على قواطع العقل والقرآن.
لا شك عندى وعندكم أن كتب الحديث جرى فيها الدس والكذب والتدليس، وأن الصالح منها، لم يتورع أصحابها عن روايتها بالمعنى، وجاء علم مصطلح الحديث ليقر لهم ذلك، ومعلوم لكل عاقل أن الرواية بالمعنى مثلبة في نقل الرواية، لأنها تتيح للراوي أن ينقل رأيه وما فهمه مما سمعه، لا ما سمعه حرفيا.
ولو عدنا لمحاكمة رأيكم مرة أخرى لوجدناكم تحكمون بنسبة ولد الزنا من غير المتزوجة إلى أمه دون أبيه؟؟!! فتتحمل الأم وحدها جرم الزنا وتتلبس وحدها عبء المولود تربية ورعاية وإنفاقا، ويذهب شريكها الرجل فيما اقترفا من ذنب حرا طليقا دون أدنى مسؤولية عن طفل كان هو سبب خروجه لهذه الحياة، ما لكم كيف تحكمون؟؟؟!!! إذا غابت عقولكم فهل يغيب عنها مجانبة حكمكم لمباديء العدل؟ وهل يغيب عنها المعنى الكامن في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ﴾، وهل يغيب عنها قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ .
ثم حين تنسبون ابن الزاني لزوج الزانية بديلا عن أبيه، ألا تلمحون أنكم بذلك تقفزون عن قوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ وتعطلون المعنى المراد من إيرادها؟؟!!
لا شك أن الزنا جرم كبير وأنه مفسدة للمجتمع، وفيه من حالات الخيانة الزوجية ما يتسبب في خراب الأسر وتفككها ودمارها، بما يجعله ينعكس سلبيا على المجتمع ككل ويؤدي إلى إنهياره في نهاية المطاف. لكن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن نسمح لأنفسنا بإغماض العين عن واقع الحال الذي ينطق صراحة بأن ولد الزنا هو في النهاية ابن أمه وأبيه وليس ابن أمه فقط، أو ابن أمه وزوجها بديلا عن أبيه.
وسوف نلاحظ في فصل لاحق حين نناقش مسألة النفي باللعان أنه عندما ينفي الزوج الولد فإن السادة الفقهاء لا ينسبونه للزاني بل لأمه تماما كما فعلوا مع المرأة غير المتزوجة، فهم أجازوا للزوج أن ينفي نسبة المولود إليه باللعان، فما قيمة هذا النفي إذا لم تجيزوا بعد ذلك نسبته إلى أبيه الزاني؟؟!! فلا هذا أبوه ولا هذا أبوه!! لماذا الإصرار على أن يبقى هذا المولود بلا أب؟؟!!
بيولوجيا نستطيع أن نعين اليوم عن طريق فحص البصمة الواراثية الأب الحقيقي لكل مولود، والبيولوجيا آية من آيات الله الكونية، ولا بد لنا أن ناخذ بنتائجها وليس من حقنا معاندة الله في سننه التي أودعها آياته الكونية، كما لاحق لنا في معاندته في آياته القرآنية.

يتبع

الموضوع الأصلي : اضغط هنا    ||   المصدر : منتدى هوامير البورصة السعودية

 
 
قديم 23-02-2020, 08:59 AM
  المشاركه #2
عضو هوامير المميز
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 19,606
 

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة زول وبس مشاهدة المشاركة
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..
هذا البحث: يناقش مسألة ولد الزنا (لمن يُنسب؟؟).
تُجمع المذاهب الفقهية المختلفة، أن المرأة المتزوجة إذا أتت بولد من زنا، فالولد يُنسب لزوجها (ودليلهم: الولد للفراش..)، ولو لم تكن متزوجة، فالولد يُنسب إليها ولا يُنسب لأبيه الزاني!!!.
هذا الكتاب يضحد هذا الرأي ويبين مخالفته لكتاب الله ولسنة نبي الله صل الله عليه وسلم، فأرجو منكم الإطلاع على الكتاب.. وجزاكم الله خير.




رابط مباشر للكتاب
:
https://drive.google.com/file/d/1shm...w?usp=drivesdk

ولدالزنا
(قراءة نقدية للموروث الفقهي)

بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الكتاب هو الكتاب الأول من سلسلة كتب سوف تصدر تباعا تحت عنوان "أفحكم الجاهلية تبغون"، والكتاب يلقي الضوء على واحدة من المسائل الفقهية الموروثة (ولد الزنا لمن ينسب؟) التي زعموا حصول الإجماع عليها من عامة علماء المسلمين أو جمهورهم وخلاصة رأيهم في هذه المسألة أن ولد الزنى ينسب إلى زوج الزانية إن كانت متزوجة وليس إلى أبيه الزاني الذي جاء من نطفته، وإذا كانت الزانية غير متزوجة فإنهم ينسبون الولد إليها وحدها دون شريكها في المعصية ويحرمون الولد في الحالتين من نسبه لأبيه الذي جاء من نطفته كما يُعفى الزاني (هذا العاصي المدلل) من واجب النفقة على مولوده ويحرم ابنه من ميراثه!!!! والكتاب الذي بين أيدينا يرد دعوى الإجماع هذه، ويثبت وجوب نسبة ولد الزنا لأبيه الزاني لأنه جاء من نطفته، مستندا في ذلك إلى نفس الروايات التي ساقوها لإثبات رأيهم، مبينا فساد استدلالهم، ومعارضته لصريح القرآن ومناقضته لإحكام العقل وقفزه عن مباديء العدل . كما يعرض الكتاب لجملة من الفتاوى المعاصرة في نفس الموضوع معلقا عليها ومبينا بطلان الرأي فيها. ويتعرض الكتاب أيضا لمسألة حق الزوج بنفي ولد الزنا باللعان، ويبين الكتاب أن آية اللعان جاءت حصرا في كتاب الله لنفي واقعة الزنا، ولا علاقة لها بنفي الولد الذي جاء نتيجة لهذه الواقعة، كما يبين تناقض هذه الفتوى مع الرأي الذي زعموا الإجماع عليه.


تمهيــــــــــــــد:

الشرائع السماوية وحي من الله المنزه عن النقص، ويفترض فيها أن توافق الفطرة وتقنع العقل
وأن تتنزه عن أي نقص، وهذا القول يصدق على النص المنزل من عند الله، والذي يعتبر المادة الأولية التي يستند إليها المجتهدون والمفكرون في استنباط الأحكام والأراء، أما هم وأقوالهم فبشر غير منزهين عن النقص والخطأ والهوى، مما يقتضي عدم نسبة أرائهم واستنباطاتهم إلى الوحي المنزه وإلحاقها به وإعطاءها حكمه، بل تقاس على النص الموحى به، وتحاكم إلى العقل الذي جعله الله مناطا للتكليف، ويحكم عليها بالصحة والبطلان بمقياس العقل والقرآن.

فإذا وجد تعارض بين العقل وما توصلت إليه جهود المجتهدين والمفكرين، فإن عقل المتلقي سوف يبقى قلقا مضطربا حتى يزول هذا التعارض، وما لم يزل هذا التعارض فغالبا ما يؤدي إلى رفض الأصل الذي جاءت منه هذه الأراء والأحكام المتعارضة مع عقله، وهو ما نراه يحدث لكثير من أصحاب الديانات التى تُصادم تشريعاتها صريح العقل.

ولو أخذنا مفكرا إسلاميا مثل "أحمد ديدات" فإنا نجده قد بذل جهودا مضنية في إظهار فساد معتقدات الديانات الأخرى بسبب معارضتها للعقل، وعلينا -حتى نكون منصفين- أن نرتضي لأنفسنا ما ارتضيناه للآخرين،فلا نقبل في منظومتنا الإيمانية والتشريعية ما يتعارض مع العقل كما رفضنا هذا التعارض عند الآخرين.

السؤال الذي يفرض نفسه:

إلى أي عقل نحتكم ؟ وهذا السؤال هو في الحقيقة إجابة معظم المشايخ حين تواجههم بمخالفة إستنتاجاتهم للعقل، فيجيبونك بسؤالهم هذا: إلى أي عقل نحتكم طالما أن العقول متفاوتة وعرضة للنقص والخطأ، ذلك أن الكمال لله وحده من دون البشر.

وهذه الإجابة تلغي دور العقل الذي يُفترض أننا وُهبناه لنميز به الصواب من الخطأ، وتتناقض مع القواعد العقلية التي تزخر بها مواضيع الثقافة الإسلامية قاطبة، ومن ذلك مبحث إزالة التعارض في علم أصول الفقه، والذي بموجبه حكموا برد الحديث دراية إذا تعارض مع صريح القرآن، وتحكيم الدراية يعني تحكيم العقل عند تعارض النصوص.

ومع ذلك أقول: نعم، العقول متفاوتة، متفاوتة في مستوى ذكاءها، ومتفاوتة في قدرتها على تحصيل العلم والمعرفة، وهذا لا خلاف فيه، وهي متفاوتة أيضا في نوع التفكير، فهناك أصحاب التفكير العقلي الفلسفي المجرد، وهناك أصحاب التفكير العلمي التجريبي، وهناك من يستهويهم التفكير الأدبي الإبداعي، وهذا التفاوت لا يعني بحال من الأحوال تفاوتها في بديهيات العقول، ولا يعني إستحالة اجتماع العقول على تقرير حقيقة من الحقائق. كل العقول لابد وأن تكون متفقة على حقائق العلم الثابتة مثل القول أن المادة موجودة في حالاتها الثلاث الصلبة والسائلة والغازية، وأن الخشب أقل كثافة من الماء لذلك تطفو الخشبة على الماء، وكل العقول لا بد وأن تجتمع على بديهيات العقل الأولية مثل قولنا الجزء أصغر من الكل، واستحالة اجتماع الضدين، وكل العقول مجتمعة حتما على حسن العدل وقبح الظلم وحسن الأمانة وقبح الخيانة. وبعد هذا يأتي من يبطل مقياس العقل بحجة التفاوت بين العقول!!!
والنص الموحى به من عند الله ألزم البشر صراحة ودون أي مواربة بالخضوع لحكم العقل، والأمثلة من القران الكريم كثيرة ولا تحصى، قال تعالى :
﴿ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن
يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ؟؟ وكذلك قول نبي الله ابراهيم عليه السلام محاججا قومه:﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ﴿٦٩﴾ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٧٠﴾قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ﴿٧١﴾ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ﴿٧٢﴾ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴿٧٣﴾
ولننتبه لسؤال نبي الله ابراهيم : هل يسمعونكم إذ تدعون ؟ سؤال بمنطق العقل البسيط الذي لايختلف على جوابه عقلان من عقول البشر!!

والإجابة على هذا السؤال هي: لا، لا يسمعون. ولا يُمكن أن يجيب أحد بغير هذا الجواب إلا أن يكون فاقدا لعقله، وعندما علم قوم ابراهيم أن إجابة هذا السؤال لا يُمكن أن تكون إلا بالنفي، كان عذرهم: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فأثبت لهم ابراهيم عليه السلام بمنطق العقل أنهم على خطأ عظيم وتبين لهم ذلك تماماً وتيقنوا منه ولكن فضلوا ألا يستعملوا عقولهم، وقد عاب الله سبحانه وتعالى على أمثال هؤلاء إعراضهم عن إستخدام نعمة العقل التى أنعم الله بها على عباده، فقال جل فى علاه : ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ وقال سبحانه مخاطبا أمثالهم:﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.

التحاكم إلى العقل الصريح في تمحيص المناهج والشرائع والنصوص في ديننا هو ميزان القرآن، وهو المنطق الذي لا يختلف عليه البشر بكل ألوانهم ودياناتهم وثقافاتهم، وهناك الكثير الكثير من الآيات التى تدل على هذا المعنى فى القرآن الكريم:﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾، الإجابة العقلية هي: لا يستويان. وكذلك قوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الإجابة مرة أخرى: لا يستويان، ولن تجد عاقلين يختلفان في إجابة هذا السؤال، بل إن الله سبحانه وتعالى حكّم العقل في قرآنه، فخاطب الجاحدين بقوله: ﴿أفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾... وكيف السبيل لمعرفة أن القرآن من عند الله وأن لا تضارب ولا تعارض ولا اختلاف بين آياته؟ أليس العقل؟؟!!

إذن تحكيم العقل في النصوص هو ما أرشدنا الله سبحانه وتعالى إليه، وهو المقصود من قوله "أفلا يتدبرون القرآن". وفي مواضع عديدة استنكر الله على عباده عدم إستخدامهم للعقل في سعيهم لمعرفة الخطأ من الصواب!!

وفي زمن شرعت فيه أبواب المعرفة على مصاريعها، وتفتحت فيه عقول الناس على كل المعارف والثقافات ومناهج التفكير، وغزت فيه الأسئلة كل العقول، ما عادت عقول أبناء المسلمين تستطيع الوقوف صامدة أمام كم الأسئلة التي تكشف مخالفة الموروث الفقهي للعقل في مواضيع شتى، وصار من السهل أن تسمع قول أحدهم إذا كان هذا من الدين فاعلم أني أرفضه. وجوابه هذا يحتمل معنيين: إما أنه ما زال على إيمانه ولا يصدق أن هذا من مقاصد الدين، وإما أن إيمانه بدينه الموروث بهذه النسخة المشوهة المتعارضة مع عقله قد تزعزع.


موقف الشيوخ من هذه التساؤلات
!!

غالبا ما نسمع منهم الإجابة التالية: القصور فى عقولكم أنتم!! فشرع الله ليس فيه ما يُخالف العقل (معتقدين أن ما يقولونه هو شرع الله). ولأن كثيراً من الناس يعتبرونهم الناطقين باسم الدين، أو أن قولهم هو الدين نفسه، فسوف يبدأ الشك في الدين نفسه يتسرب إلى عقولهم شيئا فشيئا. والطريف في الأمر، أنهم حين تواجههم بمسألة واضح تعارضها مع العقل وضوح الشمس في رابعة النهار، فإنهم يلجئون للإجابة الأخرى، ومفادها الدين لا يؤخذ بالعقل!! ولو كان الدين يؤخذ بالعقل لكان الأولى مسح باطن الخف بديلا عن ظاهره.
هم ببساطة عندهم لكل مقام إجابة فحين تكون المسألة غير واضح فيها مخالفتها للعقل سوف يجيبونك بالإجابة الأولى: "شرع الله ليس فيه ما يخالف العقل"، وعندما تكون المسألة واضحة في مخالفتها للعقل يجيبونك بالإجابة الثانية: "الدين لا يؤخذ بالعقل"

إذا كان الدين لا يؤخذ بالعقل أيها السادة الأفاضل فعلام تحاجون أصحاب الديانات الأخرى بالحجج العقلية والمنطقية؟ وإذا كنتم تتعبدون الله بمسح ظاهر الخف لأن الدين لا يؤخذ بالعقل..هكذا على إطلاقه، فعلام تدينون من يتعبد الله بتقديس بقرته على سبيل المثال؟ ماذا لو أجابكم من يتعبد الله بتقديس البقر بنفس حجتكم، الدين لا يؤخذ بالعقل؟؟!! أكنتم تقبلون حجته؟؟!!

ولنقف وقفة تفكر مع القول المنسوب لعلي بن أبي طالب "لو كان الدين يؤخذ بالعقل لكان مسح باطن الخف أولى من مسح ظاهره" ولنرى مدى حجيته في إسقاط مبدأ موافقة الدين للعقل:
أولا: مبحث أخذ الدين بالعقل من مباحث أصول الدين وليس من مباحث الفروع، ولا يصح الإستدلال على الأصول إلا بالأدلة القطعية، والقول المنسوب لعلي بن أبي طالب من أخبار الأحاد فلا يصلح دليلا على الأصول.
ثانيا: بعض المذاهب الإسلامية لا تأخذ بحكم المسح على الخفين، فهذا الحكم ليس حكما باتا لا خلاف فيه، بل من المسائل المترددة بين الإثبات والنفي في المذاهب الإسلامية، وهذا أيضا يمنع الإستدلال به على أصل من أصول الدين.
ثالثا: القول المنسوب لعلي بن أبي طالب موضوعه مسح الخف وهي مسألة من مسائل العبادات ومعلوم لديكم أن أحكام العبادات توقيفية ولا يلتفت في تفصيلاتها إلى موافقة العقل أو عدم موافقته، وإذا قلتم: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قلنا: أن قول الإمام ليس نصا تشريعيا ولا دليلاشرعيا حتى نطبق عليه قواعد التشريع ونستنبط منه أحكام، وإنما هو رأي له، ثم إن موضوع النص المسح على الخفين والمسح على الخفين من العبادات التي يمكن أن ينطبق عليها هذا القول لأنها كما قلنا توقيفية وليس بالضرورة أن تبحث فبها عن معنى عقلي مباشر، ولا يصلح نقل عموم اللفظ لشمل أحكام المعاملات والعقوبات لأنها حتما معقولة عند كل البشر، فلا يمكن لمشرع على سبيل المثال أن يضع عقوبة عمل تطوعي بحجة أن شرعه لا يؤخذ بالعقل!!! ولأن أحكام المعاملات تأخذ مع علتها ويقاس عليها، والقياس من عمل العقل.
رابعا: قول علي ليس وحيا منزلا ولا يصلح دليلا شرعيا، فقوله مثل قول أي صحابي لا يمكن اعتباره دليلا من الأدلة الشرعية، لأن أفراد الصحابة إختلفوا فيما بينهم في حكم المسألة الواحدة، فلو اعتبرنا قول كل منهم دليلا شرعيا لأجزنا ضمنا وجود التضارب في الأدلة الشرعية.
خامسا: القول المنسوب لعلي الراجح أنه جاء بلفظ لو كان الدين يؤخذ بالرأي وليس بالعقل، وهذا حق فالدين لا يؤخذ بالرأي. الدين يؤخذ بالوحي ولا بد أن يكون الوحي موافقا للعقل. فليس في قول علي معارضة لعدم وجود تعارض بين العقل والنقل، حتى في مسألة المسح على الخفين فيسهل علينا أن نجعل العقل يرجح المسح على ظاهر الخف لأن المسألة تعبدية أصلا فهي توقيفية، ثم أننا حين نمسح باطن الخف لا نقوم بتنظيف باطنه بل ربما قمنا بتوسيخ اليد الماسحة. ولذلك ومادامت المسألة تعبدية فمسح الظاهر أولى عقلا لأنه لا يؤدي إلى نقل ما علق بالباطن إلى الكف التي قامت بالمسح.

قولكم هذا: الدين لا يؤخذ بالعقل، طامة على دين الله ولو حاكمناكم بنفس منطقكم الذي تحاكمون به عباد الله -باسم الدين- لقلنا أنكم أبعد الناس عن دين الإسلام، ومرتكبي أكبر جريمة في حق دين الله، إذ ليس هناك أكبر قولا وأفظع تهمة من قولكم أن دين الله الذي خاطب به العقول يُخالف العقل. هل تفكرتم يوما ما في مدى وفحش التناقض في عبارتكم السالفة، ألستم أنتم من صدعتم رؤوس العالمين بقولكم أن هذا القرآن أنزل لقوم يعقلون؟؟!!

أيها السادة الأفاضل: ليس من العقل أن نستدل بالعقل على عدم إعمال العقل أو لإبطال إعمال العقل، ولن تجدوا عاقلا يجيز لكم ذلك، ويوافقكم عليه، بل على النقيض من ذلك فإن المعقول الذي لا معقول قبله ولا بعده أن نستدل بالعقل على وجوب إعمال العقل لا إبطاله.. فإذا كنتم تحاجوننا بالعقل لنصل معكم إلى أن الدين لا يؤخذ بالعقل، فهذا يعني أنكم تريدون أن توصلونا بالمحاججة العقلية إلى عدم إستعمال العقل، أي أنكم تريدون إبطال العقل بالعقل!!!! وهذا التناقض وحده كاف لإبطال حجتكم إن كنتم تعقلون.

هذا الكتاب سيرد بعض كلامكم أيها السادة الفضلاء -أعني المشايخ- متوخيا منكم أن تصغوا بعقولكم لا بأذانكم، وأن توسعوا صدوركم وأن لا تتنازلوا عن شعاركم المسطور أعلاه.. كل ابن آدم يؤخذ من كلامه ويرد عليه.

و سأتناول فيه موضوعا من جملة المواضيع التى أرى أنكم خالفتم فيها صريح العقل، بل وخالفتم فيها النص القرآني الصريح وبعض (الأحاديث) والموضوع هو ولد الزنا .. لمن يُنسب ؟

ولد الزنا: لمن يُنسب ؟

مسألة ولد الزنا، من المسائل التى أعطى فيها الفقه الإسلامي رأيا مثيرا للجدل والإستغراب، ولأن الناس -جل الناس- ينظرون إلى أحكام الفقه الإجتهادية على أنها هي الإسلام أو جزء منه بسبب إستنادها ظاهرا للأدلة الشرعية من قرآن وسنة (حديث)، فإن هذه المسألة لغرابة الرأي المُعطى فيها ولحيده عن العدل، فلا بد وأن تستفز عقل الناظر فيها، وتجلب إليه سيلا من التساؤلات، كما يسهل أن تكون مدخلا لنقد الإسلام واتهامه بسوء معالجة الواقع. وبضم هذا الرأي إلى أشباهه من الأراء ستكون مدخلا لإعمال معول الهدم في الإسلام وليس مجرد اتهامه بسوء معالجة الواقع.

ويتسلح المدافعون عن هذا الرأي بزعم إجماع العلماء عليه، بعد أن جعلوا من الإجماع دليلا شرعيا لا يجوز رده وليس مجرد رأي إجتهادي تصح مخالفته والقول برأي غيره.

وخلاصة الرأي الذي أجمعت عليه جميع كتب علماء أهل السنة في هذه المسألة، أن ولد الزنا لا يُنسب إلى أبيه الزاني، بل يُنسب إلي زوج المرأة إن كانت متزوجة، وإلى أمه إن لم تكن متزوجة، فليس للأب الذي من صلبه هذا الولد الحق فيه ابداً، وليس للولد الذي هو من صلب ذاك الرجل الحق في أبيه!! .
يقول الإمام النووي مفسراً الحديث الشائع (الولد للفراش وللعاهر الحجر): "معناه إذا كان للرجل زوجة أو مملوكة صارت فراشا له فأتت بولد لمدة الإمكان لحقه وصار ولدا له يجري بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة سواء كان موافقا له في الشبه أو مخالفا له. نقله السيوطي رحمه الله كذا في المرقاة .

وأول ما يتبادر إلى الذهن بمجرد الإطلاع على هذا الرأي المنافي للواقع والحائد عن العدل: ما هو ذنب ابن الزنا فيما وقع لهُ حتى نحرمه من أبيه الحقيقي؟ وبإي مسوغ من مسوغات العقل والشرع نعفي الزاني من نتيجة الفعلة التي فعلها ونحمل عبء هذه النتيجة لزوج امرأة خانته؟ فإن قلتم هذا من باب حماية ولد الزنا من تعييره بذنب أبيه، لقلت هذا عذر أقبح من ذنب. هل يجوز لنا أصلا أن نعيره على ذنب لم يرتكبه؟ على أنه ابن زنا ونرفضه في المجتمع ....الخ ؟

أقول متاكداً، أن إجابتكم ستكون: ابن الزنا لا ذنب له في جريمة حصلت قبل خروجه إلى الحياة ومن الظلم الفاحش معايرته بذنب لم يرتكبه ولم يكن طرفا فاعلا فيه بل نتيجة من نتائجه، فهو لم يختر لنفسه أن ياتي من هذا الطريق غير الشرعي وسوف تستدلون على دفاعكم هذا بآية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾.

ولكن لأنكم تستبعدون العقل عند النظر في العلوم الشرعية فإنكم سرعان ما تناقضون أنفسكم في موضع آخر، يظهر هذا جليا في تفسيركم لآية "عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ" التي قلتم في تفسيرها دون أدنى مواربة: الزنيم هو ابن الزنا، وسميتم الشخص الذي نزلت فيه هذه الآية، فقلتم نزلت في الوليد بن المغيرة هكذا دون أي مواربة.. لو أعملتم العقل لحظة لعلمتم أن الله لا يفضح عبدا من عباده بسبب ذنب لم يرتكبه هو، لا أدري كيف خطر ببالكم أن يعير الله واحدا من خلقه على ذنب لم يصدر عنه؟؟!! أَفهمتم الآن لماذا قال ابن رشد –رحمه الله- "إن الله لا يمكن أن يعطينا عقولاً، ويعطينا شرائع مخالفة لها"

ومن الإنصاف قبل الشروع في نقد هذا الرأي ومناقشته لبيان مدى بعده أو قربه من مقاصد الشريعة الإسلامية، أن نأتي بمجموعة من النقولات من مصادر الموروث الفقهي الذي ورثَنا هذا الرأي، وأن نستعرض جملة من الفتاوى التي أصدرها مشايخ هذا الزمان استنادا إلى الفقه الموروث، ونستحضر مع هذه النقولات وهذا الإستعراض جملة الأدلة التي إتكأتم عليها في الوصول لرأيكم هذا.

وما هذا إلا لدحض الحجج التي إستندتم إليها وبيان مدى تهافتها وتناقضها وعدم صمودها أمام النقد المتفحص، وإلا فإنه كان يكفيني الحجة العقلية -متجاوزا كل الذي خضتم فيه- لو علمت أنكم تقبلون حجة العقل -الذي أنعم الله به علي وعليكم- حكما فاصلا فيما بيننا.وهاكم حجة العقل فيما نحن فيه مختلفون:
أولا : إنكم بإنكار نسبة ولد الزنا إلى أبيه الزاني إنما تنكرون الواقع حيث أن الله سبحانه جعل من سننه أن نطفة ما من رجل محدد تقوم بتلقيح بويضة ما لامرأة محددة تنتج جنينا يكون واقعيا ابنا لهذا الرجل وهذه المرأة، فكيف قبلت عقولكم أن يكون حكم الله مخالفا لهذا الواقع الناشيء عن سنة من سننه التي أودعها في مخلوقاته؟ خاصة ونحن في زمن نستطيع فيه من خلال مايسمى بالبصمة الوراثية تحديد الأب الفعلي لكل مولود تلده إمرأة.
ثانيا : بأي عقل تلزمون زوجا بولد كان سبب خروجه للحياة خيانة زوجته له حين عاشرت رجلا آخر وحملت منه، علما أنه وفي أحسن الأحوال فإن الزوج سيتخلى ليس فقط عن نتاج هذه الجريمة بل سيتخلى عن زوجته التي خانته، رافضا الإستمرار بالعيش معها ما دام عنده مسحة كرامة ... هذا إذا لم يقدم على إنهاء حياتها.
ثالثا : أين ذهبتم بمقياس العدل حين سمحتم لأنفسكم بتحميل مسؤولية ولد الزنا لغير أبيه؟؟!! هل من العدل أن يحمل عبأ المولود شخص آخر غير أبيه، فقط لأنه زوج امرأة خائنة؟؟! وكأنكم تقولون نعم تزر وازرة وزر أخرى.
رابعا : كيف سمحتم لأنفسكم بالقفز عن قوله تعالى "ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ" بآدعاء أن سبب نزولها إبطال موضوع التبني، واستحضرتم كل مسوغ لحصرها في سبب النزول مغمضين أعينكم عن قاعدة من قواعد الإستنباط التي تعتمدونها في الوصول لأحكامكم الإجتهادية، ألا وهي "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب".
كانت هذه النقاط الأربعة كافية من وجهة نظري لرد آدعائكم، ولكني ومن باب إلزامكم بمنهجكم الذي أوصلكم لهذا الرأي المنافي للعقل وللعدل ولكتاب الله، سوف أقوم باستعراض أدلتكم وأقوالكم وفتاويكم ومناقشتها بعين المتفحص لبيان بطلان النتيجة التي توصلتم إليها.

مناقشة الأدلة


الزنا هو إتيان المرأة بدون عقد شرعي. والزنا محرم شرعا وأدلة تحريمه من القرآن ظاهرة لا تخفى على أحد، كقوله تعالى "ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا".
وولد الزنا هو كل مولود جاء للحياة نتيجة علاقة غير مشروعة بين رجل وامرأة. وإذا سألتني لماذا لم يبين الله أحكام ولد الزنا في القرآن الكريم؟ لأجبتك لأنه بكل بساطة مثل كل أولاد الدنيا ابن أمه وأبيه الفعليين "وهما هنا الزاني والزانية" فمثلما أن الإبن الشرعي يرث أبويه ويورثهما – على سبيل المثال لا الحصر- فإن ولد الزنا يأخذ نفس هذا الحكم فيما يتصل بعلاقته مع أمه وأبيه الفعليين، وحين يقول الله سبحانه وتعالى: "وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ". فليس هناك ما يدعو إلى تفصيل نوع الأبوين، لأنه – سبحانه - يتحدث عن أبوي أي مولود سواء كان قد جاء للحياة بطريقة مشروعة أو غير مشروعة، وليس هذا قول اعتباطي، فواقع الحال الذي لا يملك أحد نفيه ولا يصح إنكاره من عاقل، هو أن ولد الزنا مثله مثل الولد الشرعي ابن أمه وأبيه، فهما أبويه الفعليين والنص ينطبق عليهما كما ينطبق على الأبوين الشرعيين بلا أدنى فرق، وما دام أن الله سكت عن التفصيل والتفريق بين ولد الزنا والولد الشرعي في وحيه المنزل، فهذا وحده دليل كاف على عدم وجود فرق في الأحكام بينهما، لأنه لا يصح في الأذهان أن يسكت الشارع حين الحاجة إلى البيان، كما لا يصح أن ننسب لساكت قول.
إلا أن جميع كتب علماء أهل السنة، أجمعت على أن ولد الزنا لا يُنسب إلى أبيه الزاني!!!! بل يُنسب إلى زوج المرأة إن كانت متزوجة، وإلى أمه إن لم تكن متزوجة، فليس للأب الذى من صلبه هذا الولد الحق فيه أبداً، وليس للولد الذى هو من صلب ذاك الرجل الحق في أبيه !! . فأصحاب المذاهب الأربعة وكذلك الظاهرية متفقون على إلحاق ولد الزنا بأمه. ويقولون صراحة أن المرأة المتزوجة، إذا أتت بولد (سفاح) فإن الولد يُنسب للزوج فى أي حال، سواء كان هذا المولود شبهاً للزوج أو لم يكن ، إلا إذا أراد الزوج أن ينفيه فيحق لهُ ذلك ولكن لابد أن ينفيه باللعان .
وما هذا الرأي الغريب العجيب المنافي لواقع الحال إلا بسبب الروايات والأحاديث المنسوبة للنبي -رغم تناقضها وتعارضها- التي اعتلت فوق كتاب الله فأسكتته ونطقت عنه، وغيبت عقول متبعيها لدرجة جعلتها تصدر أحكاما تخالف الواقع المحسوس. وأشهر الروايات في هذا الباب عند أصحابها هو هذا القول المنسوب للرسول "الولد للفراش وللعاهر الحجر". كما جاء في سنن أبي داوود (باب الطلاق) أن الرسول قال في ولد الزنا "لأهل أمه من كانوا".
وجاء في كتاب التعريفات للجرجاني: الفراش بمعنى الوطء، كما تستعمل بمعنى كون المرأة متعينة للولادة لشخص واحد، ومن معاني الفراش كذلك كما جاء في لسان العرب لابن منظور: المرأة فإنها تسمى فراش الرجل.
يقول الإمام النووي مفسراً (الولد للفراش وللعاهر الحجر): معناه إذا كان للرجل زوجة أو مملوكة صارت فراشا له فأتت بولد لمدة الإمكان لحقه وصار ولدا له يجري بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة سواء كان موافقا له في الشبه أو مخالفا له . نقله السيوطي رحمه الله كذا في المرقاة.
ويقول ابن حجر في كتابه فتح الباري: نُقل عن الشافعي أنه قال: لقوله الولد للفراش معنيان: أحدهما هو ما لم ينفه، فإذا نفاه بما شُرع كاللعان انتفى عنه والثاني: إذا تنازع رب الفراش والعاهر (الزاني). ثم قال: (وللعاهر الحجر ) أي للزاني الخيبة والحرمان، والعهر الزنا، وعنى الخيبة هنا: حرمان الولد الذي يدعيه.
وجاء في كتاب بدائع الصنائع للكاساني: "قوله صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر، أي لصاحب الفراش، والمراد من الفراش هو المرأة، فإنها تسمى فراش الرجل ولحافه وإزاره، والنبي أخرج الكلام مخرج القسمة، فجعل الولد لصاحب الفراش والحجر للزاني، فاقتضى أن لا يكون الولد لمن لا فراش له كما لا يكون الحجر لمن لا زنا منه، إذ القسمة تنفي الشركة".
جاء في سنن الترمذي، كتاب الفرائض، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله قال: "أيما رجل عاهر بحرة أو أمة فالولد ولد زنا لا يرث ولا يورث". وهذا يعني عند أصحابه أن ولد الزنا لا يلحق بأبيه الحقيقي وإنما ينسب لأمه. كما أنهم لم يوجبوا نفقة على أبيه الزاني.
الخلاصة أنك حيثما قلبت الرأي في هذا الموضوع ستجد أن فقهاء أهل السنة مجمعين على أن ولد الزنا لا ينسب للزاني إن كانت أمه فراشا، ولا ينسب للزاني على الراجح إن كانت أمه غير فراش.
وقد يستطيع البعض أن يجادل في عدم نسبة ولد الزنا إلى أبيه الزاني في حال كانت أمه فراشا لزوجها، بحجة شبهة أن يكون الولد قد جاء من نطفة زوجها، لكن ما حجتهم في الإصرار على عدم نسبة الولد لأبيه الزاني في حال كانت المرأة غير متزوجة؟؟!! كلاهما عاهر هي زانية وهو زان، وليس هناك احتمال أن يكون الولد قد جاء من زوجها لأنها غير متزوجة ولا زوج لها. الزاني والزانية في هذا الحالة متساويان، فبأي عقل توصلتم إلى وجوب نسبته لأمه، وأعفيتم الأب عن مسؤوليته إخراج هذا المولود إلى الحياة؟؟!!
إن هذا الإصرار على عدم نسبة الولد لأبيه في حالة المرأة غير المتزوجة، يدل على أن شبهة أن يكون الولد قد جاء من نطفة الزوج في الحالة الأولى ليست هي السبب في رفضهم نسبة الولد لأبيه الزاني، بل السبب هو الروايات الظنية التي اتخذوها أساسا لاستنباطاتهم في هذه المسألة دون أن يلمحوا مخالفتها للعقل والواقع ومعارضتها للوحي المنزل "ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ" وتناقضها فيما بينها.
في كتب الحديث قصة لرجل اسمه زمعة، تقول القصة: أن رجلا اسمه زمعة –والد سودة زوج رسول الله- لهُ جارية، كان يطئها. في بعض الروايات تقول سودة رضي الله عنها أن أبيها -زمعة- كان يشك في أن رجلا آخر كان يطئ جارية له، ثم مات أبيها فولدت الجارية ولدا يشبه ذلك الرجل، فذكرت سودة ذلك لرسول الله فقال: الولد للفراش واحتجبي منه ياسودة فإنه ليس لك بأخ.
وفى روايات أخرى للقصة: روي أنه اختصم سعد بن ابى وقاص وعبد ابن زمعة في غلام، فأتيا رسول الله، فقال سعد: مشيرا إلى الغلام أنه ابن أخيه عتبة من جارية زمعة، فقال عبد: بل هو أخي من أبي -يقصد أبيه زمعة- من جاريته، فقال سعد انظر إلى شبهه يارسول الله، إنهُ يُشبه أخى عتبة، تقول الرواية: فنظر رسول الله، فرأى شبهاً بيناً بعتبة. إلى أخر الحديث. وإليكم الروايات كما جائت في مصادرها، بعد أن نعمد إلى قسمتها لمجموعتين: حيث نلاحظ من روايات القسم الأول أن حديث الولد للفراش جاء نتيجة لذهاب سودة لرسول الله وسؤاله عن ابن الجارية، بينما روايات القسم الثاني تشير إلى أن قول الرسول الولد للفراش جاء على إثر تخاصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في ولد الجارية
ونبدأ بروايات القسم الأول
1- كانت لزَمعةَ جاريةٌ يطؤُها وَكانَ يظنُّ بآخرَ أنَّهُ يقعُ عليها فجاءَت بولدٍ يُشبِهُ الَّذي كانَ يظنُّ بهِ فماتَ زمعةُ فذكرَت ذلِكَ سودَةُ للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ الولَدُ للفراشِ واحتجِبي منهُ يا سَودةُ فليسَ لَكِ بأخٍ
الراوي: عبدالله بن الزبير المحدث: ابن حجر العسقلاني - المصدر: فتح الباري لابن حجر - الصفحة أو الرقم: 12/38خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن
2 - كانت لزمعةَ جاريةٌ يطؤُها هوَ وكانَ يظنُّ بآخرَ يقعُ عليها فجاءت بولَدٍ شبهِ الَّذي كانَ يظنُّ بهِ فماتَ زمعةُ وهيَ حُبلى فذكرَتْ ذلكَ سودَةُ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ الولدُ للفراشِ واحتجِبي منهُ يا سودةُ فليسَ لكِ بأخٍ
الراوي: عبدالله بن الزبير المحدث: السيوطي - المصدر: شرح النسائي للسيوطي - الصفحة أو الرقم: 6/492 خلاصة حكم المحدث: (ليس بأخ لك) زيادة باطلة مردودة
3 - كانت لزمعةَ جاريةٌ يطؤُها هوَ، وَكانَ يظُنُّ بآخرَ يقعُ علَيها فجاءَت بولدٍ شَبهَ الَّذي كانَ يظُنُّ بهِ فماتَ زمعةُ وَهيَ حُبلى فذكرَت ذلِكَ سودةُ لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : الولَدُ للفراشِ، واحتجِبي منهُ يا سودَةُ ، فليسَ لَكِ بأخٍ
الراوي: عبدالله بن الزبير المحدث: الألباني - المصدر: صحيح النسائي- الصفحة أو الرقم: 3485 خلاصة حكم المحدث: صحيح [لغيره]
وهذه هي المجموعة الأخرى من الروايات
1 - عن عبد الله بن زَمْعَةَ أنه خاصمَ رجلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ولدِ ولدٍ على فراشِ أبيهِ فقال النبي صلى الله عليه وسلم الولدُ للفراشِ واحتجبِي منه يا سودَةُ
الراوي: عبدالله بن زمعة المحدث: الطحاوي - المصدر: شرح مشكل الآثار - الصفحة أو الرقم: 11/9 خلاصة حكم المحدث: خالف حماد بن سلمة يحيى بن أيوب و غيره [فقالوا] عن عائشة وهو أولى .
2 - عن عائشةَ قالَتْ: اختصمَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ. وعبدُ بنُ زَمعةَ في ابنِ زمعةَ فقال سعدٌ: أوصاني أخي عتبةُ إذا قدمْتَ مكةَ فأنظرْ ابنَ أمةِ زمعةَ فهو ابني. وقال عبدٌ هو ابنُ أمةِ أبي وُلِدَ على فراشِ أبي فرأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ شَبهًا بيِّنًا بعتبةَ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ: الولدُ للفراشِ واحتَجِبي منه يا سودةُ
الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: ابن حزم - المصدر: المحلى - الصفحة أو الرقم: 11/280 خلاصة حكم المحدث: احتج به ، وقال في المقدمة: (لم نحتج إلا بخبر صحيح من رواية الثقات مسند)
3 - اختصمَ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ ، وعبدُ بنُ زمعةَ قالَ سعدٌ أوصاني أخي عتبةُ إذا قدمتَ مَكَّةَ فانظرِ ابنَ وليدةِ زمعةَ فَهوَ ابني فقالَ عبدُ بنُ زمعةَ هوَ ابنُ أمَةِ أبي وُلِدَ علَى فراشِ أبي فرأى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ شبَهًا بيِّنًا بعُتبةَ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ الولَدُ للفراشِ ، واحتجِبي منهُ يا سَودةُ
الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: الألباني - المصدر: صحيح النسائي - الصفحة أو الرقم: 3487 خلاصة حكم المحدث: صحيح
4 - إن عتبةَ بنَ أبي وقَّاصٍ، عَهِدَ إلى أخيه سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ: أن يَقْبِضَ إليه ابنَ وليدةِ زَمْعَةَ، قال: عتبةُ إنه ابني ، فلما قَدِمَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زمنَ الفتحِ، أَخَذَ سعدٌ ابنَ وليدةِ زَمْعَةَ، فأَقْبَلَ به إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأقبلَ معه بعبدِ بنِ زَمْعَةَ، فقال سعدٌ: يا رسولَ اللهِ، هذا ابنُ أخي، عَهِدَ إليَّ أنه ابنُه، فقال عبدُ بنُ زَمْعَةَ: يا رسولَ اللهِ، هذا أخي، ابنُ وليدةِ زَمْعَةَ، وُلِدَ على فراشِه، فنَظَرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى ابنِ وليدةِ زَمْعَةَ، فإذا هو أَشْبَهُ الناسِ به، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هو لك يا عبدَ بنِ زَمْعَةَ. مِن أجل أنه وُلِدَ على فراشِ أبيه ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: احتجبي منه يا سودةَ بنتَ زَمْعَةَ. مما رأى من شَبَهِهِ بعُتْبَةَ، وكانت سودةُ زوجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 2533 خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
5 - كان عتبةُ بن أبي وقاصٍ عهد إلى أخيه سعدٍ: أن يقبض ابن َوليدةِ زمعةَ، وقال عتبةُ: إنه ابني، فلما قدم النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مكةَ في الفتح، أخذ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ ابنَ وليدةَ زمعةَ، فأقبل به إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وأقبل معه عبدُ بنُ زمعةَ، فقال سعدُ بنُ أبي وقاصٍ: هذا ابن أخي، عهد إليَّ أنه ابنُه. قال عبدُ بنُ زمعةَ: يا رسولَ اللهِ، هذا أخي، هذا ابنُ زمعةَ، ولد على فراشِه. فنظر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى ابن وليدةِ زمعةَ، فإذا أشبه الناسِ بعتبة ابنِ أبي وقاصٍ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (هو لك، هو أخوك يا عبدُ بنَ زمعةَ). من أجل أنه وُلد على فراشِه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (احتجبي منه يا سودةُ). لما رأى من شبهِ عتبةَ بن أبي وقاصٍ. قال ابن شهابٍ: قالت عائشةُ: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ( الولدُ للفراشِ وللعاهرِ الحجَرُ ). وقال ابنُ شهابٍ: وكان أبو هريرةَ يصيحُ بذلك.
الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 4303 خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
6 - أنَّ عبدَ بنَ زمعةَ وسعدَ بنَ أبي وقاصٍ، اختصما إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في ابنِ أمةِ زمعةَ، فقال سعدٌ: يا رسولَ اللهِ، أوصاني أخي إذا قدمتُ أن أنظرَ ابنَ أمةِ زمعةَ فأقبضه، فإنه ابني، وقال عبدُ بنُ زمعةَ: وأخي وابن أمةِ أبي، ولد على فراشِ أبي. فرأى النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شبهًا بينًا بعتبةَ، فقال: هو لك يا عبدُ بنَ زمعةَ، الولدُ للفراشِ، واحتجبي منه يا سودةُ.
الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 2421خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

7 - إنَّ ابنَ زمعةَ وسَعدًا اختَصما إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ في ابنِ أمَةِ زمعةَ فقالَ سعدٌ: يا رسولَ اللَّهِ، أوصاني أخي إذا قَدِمْتُ مَكَّةَ أن أنظرَ إلى ابنِ أمةِ زمعةَ فأقبِضَهُ، وقالَ عبدُ بنُ زمعةَ: أخي وابنُ أمَةِ أبي، وُلِدَ على فراشِ أبي، فرأى النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ شبَهَهُ بعُتبةَ، فقالَ: هوَ لَكَ يا عبدُ بنَ زمعةَ، الولَدُ للفِراشِ، واحتَجِبي عنهُ يا سَودةُ
الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: الألباني - المصدر: صحيح ابن ماجه - الصفحة أو الرقم: 1643خلاصة حكم المحدث: صحيح

8- اختصم سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ وعبدُ بنُ زَمعةَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في ابنِ أمةِ زَمعةَ فقال سعدٌ أوصاني أخي عُتبةُ إذا قدمتُ مكةَ أن أنظرَ إلى ابنِ أمَةِ زَمعةَ فأقبِضُه فإنه ابنُه وقال عبدُ بنُ زَمعةَ أخي ابنُ أمَةِ أبي وُلِدَ على فراشِ أبي فرأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شبهًا بيِّنًا بعُتبةَ فقال الولدُ للفراشِ وللعاهرِ الحجرُ واحتجِبي عنه يا سودةُ زادُ مُسدِّدٌ في حديثِه هو أخوك يا عبدُ
الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: أبو داود - المصدر: سنن أبي داود - الصفحة أو الرقم: 2273 خلاصة حكم المحدث: سكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح]

9- عن عائشةَ اختصمَ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ وعبدُ بنُ زمعةَ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في ابنِ أمةِ زمعةَ فقالَ سعدٌ أوصاني أخي عُتبةُ إذا قدمتُ مكَّةَ أن أنظرَ إلى ابنِ أمةِ زمعةَ فأقبِضَهُ فإنَّهُ ابنُهُ وقالَ عبدُ بنُ زمعةَ أخي ابنُ أمَةِ أبي وُلِدَ على فراشِ أبي فرأى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ شبهًا بيِّنًا بعتبةَ فقالَ الولدُ للفراشِ وللعاهرِ الحجرُ واحتجِبي عنهُ يا سوْدَةُ زادَ مسدَّد في حديثِهِ وقالَ هوَ أخوكَ يا عبدُ
الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: الألباني - المصدر: صحيح أبي داود- الصفحة أو الرقم: 2273 خلاصة حكم المحدث: صحيح

في أحاديث المجموعة الأولى نلاحظ أن سودة قد أشارت إلى الشبه الموجود بين الولد وأبيه (الزاني) واحتجت به وجاء حكم النبي بناء على ما قالته سودة، أما في أحاديث المجموعة الثانية فإن سعد بن أبي وقاص لفت نظر رسول الله إلى هذا الشبه كما هو وارد في منطوق الحديث، فيلتفت الرسول ليرى ويتأكد فلماذا أغفل سادة الفقه السني تاريخيا ومن تبعهم فيه من مقلديهم المفتين في عصرنا الحاضر موضوع الشبه؟

دعونا ننظر بتأمل فى روايات القصة من خلال المجموعتين لنتبين ما إذا كان الرسول سيحكم بالغلام لأبيه الحقيقي وهو عتبة ابن أبي وقاص أم سيحكم به إلى زمعة صاحب الجارية؟؟
إذا ما أضفنا سياق الروايات وحيثياتها إلى مقاصد الشرع وأحكام العقل لا بد وأن يوصلنا كل هذا إلى خلاف ما نطقت به كتب الفقه واجتهادات الفقهاء وفتاوى المقلدين، التي صرحت أن الولد للفراش، بمعنى لزوج الزانية حتى وإن أثبت فحص الدي أن أي نسبته للزاني.
إذا نظرنا إلى الأحاديث في المجموعة الأولى وأحسنا قراءتها وتدبرها سنجد أن رسول الله أخذ بالشبه بناء على ما روته سودة فقضى أن الغلام لصاحب الفراش: بمعنى "الرجل الذى جامع المرأة وكان الولد نتيجة لذلك الجماع" وليس كما فهم السادة الفقها وأتباعهم من أصحاب الفتاوى المقلدون، وقد أوردنا في مقدمة البحث أن أول معنى للفراش في تعريفات الجرجاني الوطء والزاني هو فاعل الوطء الذي جاء منه الولد فيكون هو المعني بلفظ الفراش، ثم أن الرسول عقب على قوله الولد للفراش بقوله واحتجبي منه يا سودة.
خذ العبارتين معا (الولد للفراش) و (احتجبي منه يا سودة) وتفكر هل يمكن أن يكون معنى العبارة الأولى هو ابن أبيك ياسودة، ثم يأمرها أن تحتجب من ابن أبيها؟؟!! هذا الفهم تحيله العقول السليمة، فيكون الفهم السليم حسب القصة وسياقها أن كلمة الفراش في عبارة الولد للفراش تعني -حسب سياق القصة وحسب تعقيب الرسول- الرجل الذي جامع الجارية فأنجبت منه "الغلام" ، وليس صاحب الفراش السيد أو الزوج كما هو مسطر في كتب فقه أهل السنة.
أما روايات المجموعة الثانية ففيها قول سعد رضي الله عنه مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: انظر إلى شبهه، إنهُ يشبه أخي عتبة، فنظر رسول الله إليه. فما قيمة طلب سعد؟ وما قيمة استجابة الرسول لطلبه إذا كان الشرع يحكم بأن الولد لزوج الزانية في كل الأحوال؟ أما كان الأولى أن يجيب رسول الله سعدا بقوله ما لنا وللشبه ياسعد إنما الولد للفراش أي للزوج!!! إلا إنه لم يفعل وراح يتبين الشبه.
إن في ذلك دلالة صريحة وواضحة أنهم كانوا يأخذون بالشبه فى مثل هذه الأمور، وإلا لما طلب سعد ذلك، ولما استجاب رسول الله لطلبه وراح ينظر إن كان الغلام يشبه عتبة أو لا يشبهه. ولأجاب سعدا نحن لا نحكم بالشبه دون أن ينظر إلى الغلام ويتبين شبهه، تماما كما تفعلون اليوم أيها السادة الأفاضل. وكما صرح به الإمام النووي قائلاً: لا معنى للشبه أبداً فى حكم الولد، ففى كل الحالات الولد يُنسب للزوج أو سيد الأمة. وأقول أنه لو كان الأمر كما يقول النووي وكما تقولون اليوم، لو كان الأمر كذلك، لرد الرسول صلى الله عليه وسلم حجة سعد وأجاب بما يشبه كلام النووي، ولو لم يكن للشبه معنى كما يقول الأمام النووى، لماذا يقول النبي فى حديث هلال ابن أمية فى قصة اللعان عندما زنت زوجته: أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الإليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء، وشريك بن سحماء هو الزاني فى تلك القصة التي سنأتي إليها لاحقا، فلماذا أخذ رسول الله بشبه الولد فى تلك القصة ولم يأخذ بها فى هذه كما جاء في الفهم الفقهي السائد ؟!! سنناقش قصة هلال بن أمية بالتفصيل في فصل لا حق، ولكن هنا أردت التنبيه فقط لقول رسول الله فهو لشريك بن سمحاء بناء على الشبه
نعود مرة أخرى لروايات القصة وننظر إلى الفرق بين رواية القصة من سودة رضى الله عنها، ورواية القصة من عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، حيث نجد أن رواية سودة لا ذكر فيها لتخاصم سعد وعبد ابن زمعة. بينما فى رواية عائشة تختلف القصة ويجري بنائها على هذا التخاصم بين سعد وعبد بن زمعة!!.
فهل حصلت القصة مرتين؟؟ لو أن القصة حصلت مرتين فعلا، وكانت الأولى ما روته سودة، فسيتضح الحكم تماماً، أن رسول الله نسب الغلام للزانى لأنه طلب من سودة أن تحتجب منه.
وطبعا لا يُمكن أن تكون رواية عائشة قد سبقت رواية سودة !! لسبب واحد بسيط جداً، تقول رواية عائشة أن سودة كانت موجودة عندما أتى سعد بالغلام، فأمرها رسول الله أن تحتجب منه .. ، فلو كانت رواية سودة هي الاولى فيفترض أن تكون سودة محتجبة منه سلفاً بل ويُفترض أن تُعلم كل أهلها بحكم النبي المسبق في أمر الغلام حتى لا يحسبه باقي أخواتها وأخوانها وعماتها واحد منهم ...، فكيف يأتي أخوها – عبد – مرة اخرى وينازع في الغلام؟!!
ولو سبقت رواية عائشة رواية سودة، فكيف تأتى سودة مرة أخرى وتذكر نفس القصة للرسول بصورة مختلفة ؟!!
وبهذا تتبين لنا مدى ما في هذه الروايات من إشكالات ومدى تضاربها مع بعضها البعض، مما يضع (علماء الحديث) أمام جملة من التساؤلات، فكيف تكون هذه الرواية صحيحة والأخرى صحيحة مع استحالة الجمع بينهما.
أعود فأقول إذا أخذنا برواية سودة فسينتهي الإشكال، لأن حكم النبي واضح وضوح الشمس في نسب ولد الزنا، وإذا اسقطنا هذه الرواية واخذنا برواية عائشة فسننتهي إلى إشكال آخر وهو : تلك الزيادات الواردة في المجموعة الثانية في عبارات ثلاث: "الولد للفراش" "واحتجبى منه ياسودة" "فإنه ليس لك بأخ". مثل (قوله) صلى الله عليه وسلم: "هو لك يا عبدَ بنِ زَمْعَةَ" أو "هو أخوك يا عبدُ" كما جاء في زيادة مسدَّد.
إذ كيف يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، شبهاً بيناً للغلام بعتبة (الزانى) ثم يحكم بالغلام لسيد الأمة زمعة ، كيف ذلك ؟!! علما أن الفقهاء أنفسهم يقرون أن الولد لعتبة، ويدعون أن النبي يعلم ذلك ومع ذلك حكم بنسبته للزوج ... حفاظاً على الأعراض ولم شمل الأسرة ؟!! .
وهذا يعني أنهم يقولون على الزوج أن يتحمل نتيجة زنا زوجته ويقبل بمن تأتى به من هذه الجريمة، ربما بحجة التغطية على الفضيحة التي سوف تنال المرأة والزوج والولد !! . ولكن هل يجوز ستر الفضيحة في هذه الحالة حتى لو أدى ذلك إلى الإختلاط والخلط فى الأنساب وغيره؟؟.
ونعود في هذه النقطة إلى ما في أقوال الموروث الفقهي والتفسيري من تناقض، فقد جاء في تفسيرهم للأية الكريمة :﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾، قولهم: الزنيم هو ولد الزنا، فكيف –بربكم- يناقض الله سبحانه وتعالى نفسه، فيمنع نسب ولد الزنا إلى أبيه الزاني حفاظاً على الأعراض وسترا للفضيحة ، ثم يأتي في موقع آخر ويفضح عبدا من عباده دونما
أي تورية ؟!!! .
يمكننا أن نكتب المجلدات في نقد روايات الحديث وتناقضاتها مع بعضها البعض، ومخالفتها للعقل والواقع، ومعارضتها للقرآن الكريم، وضعف انسجامها مع التاريخ المؤكد، ولكن ليس هذا موضعها، ويكفي أن نشير هنا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أن هذه الروايات هي روايات ظنية في أحسن الأحوال حسب ما هو مقرر في علم مصطلح الحديث الذي هو مستندكم الأول في نقد الروايات إلى جانب علم الجرح والتعديل، وليس من العدل والعقل والشرع أن تقدموا روايات ظنية على قواطع العقل والقرآن.
لا شك عندى وعندكم أن كتب الحديث جرى فيها الدس والكذب والتدليس، وأن الصالح منها، لم يتورع أصحابها عن روايتها بالمعنى، وجاء علم مصطلح الحديث ليقر لهم ذلك، ومعلوم لكل عاقل أن الرواية بالمعنى مثلبة في نقل الرواية، لأنها تتيح للراوي أن ينقل رأيه وما فهمه مما سمعه، لا ما سمعه حرفيا.
ولو عدنا لمحاكمة رأيكم مرة أخرى لوجدناكم تحكمون بنسبة ولد الزنا من غير المتزوجة إلى أمه دون أبيه؟؟!! فتتحمل الأم وحدها جرم الزنا وتتلبس وحدها عبء المولود تربية ورعاية وإنفاقا، ويذهب شريكها الرجل فيما اقترفا من ذنب حرا طليقا دون أدنى مسؤولية عن طفل كان هو سبب خروجه لهذه الحياة، ما لكم كيف تحكمون؟؟؟!!! إذا غابت عقولكم فهل يغيب عنها مجانبة حكمكم لمباديء العدل؟ وهل يغيب عنها المعنى الكامن في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ﴾، وهل يغيب عنها قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ .
ثم حين تنسبون ابن الزاني لزوج الزانية بديلا عن أبيه، ألا تلمحون أنكم بذلك تقفزون عن قوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ وتعطلون المعنى المراد من إيرادها؟؟!!
لا شك أن الزنا جرم كبير وأنه مفسدة للمجتمع، وفيه من حالات الخيانة الزوجية ما يتسبب في خراب الأسر وتفككها ودمارها، بما يجعله ينعكس سلبيا على المجتمع ككل ويؤدي إلى إنهياره في نهاية المطاف. لكن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن نسمح لأنفسنا بإغماض العين عن واقع الحال الذي ينطق صراحة بأن ولد الزنا هو في النهاية ابن أمه وأبيه وليس ابن أمه فقط، أو ابن أمه وزوجها بديلا عن أبيه.
وسوف نلاحظ في فصل لاحق حين نناقش مسألة النفي باللعان أنه عندما ينفي الزوج الولد فإن السادة الفقهاء لا ينسبونه للزاني بل لأمه تماما كما فعلوا مع المرأة غير المتزوجة، فهم أجازوا للزوج أن ينفي نسبة المولود إليه باللعان، فما قيمة هذا النفي إذا لم تجيزوا بعد ذلك نسبته إلى أبيه الزاني؟؟!! فلا هذا أبوه ولا هذا أبوه!! لماذا الإصرار على أن يبقى هذا المولود بلا أب؟؟!!
بيولوجيا نستطيع أن نعين اليوم عن طريق فحص البصمة الواراثية الأب الحقيقي لكل مولود، والبيولوجيا آية من آيات الله الكونية، ولا بد لنا أن ناخذ بنتائجها وليس من حقنا معاندة الله في سننه التي أودعها آياته الكونية، كما لاحق لنا في معاندته في آياته القرآنية.

يتبع

تصحيح الآية الكريمة في بداية موضوعك : قال الله تعالى : ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) سورة المائدة آية (50) .
http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/kath...ra5-aya50.html




قديم 23-02-2020, 06:16 PM
  المشاركه #3
عضو هوامير المميز
تاريخ التسجيل: Jul 2006
المشاركات: 3,278
 

وش جاب الطاري يانعنبو ها الزول منك
خلصت المواضيع يعني ؟؟







مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)

لأبيه

,

والسنة

,

الزنا

,

الزاني

,

القرآن

,

بالدليل

,

يُنسب


أدوات الموضوع

الاسهم تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



08:53 AM