logo



قديم 03-03-2021, 03:24 PM
  المشاركه #1
عضو هوامير المميز
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 470
 



تدمير الإنكشارية (1826م)

كان السلطان محمود الثاني في موقفٍ لا يُحْسَد عليه! لم يقدر على استرداد مكة والْمَدِينَة إلا بمساعدة محمد علي باشا. ضاعت منه صربيا منذ تسع سنين. كانت السودان خارج أحلام الدولة في ذلك الوقت فاستردَّها الجيش المصري. الآن لم يقدر بجيوش الأناضول والروملي، وكذلك بالأسطول، على مقاومة الثورة اليونانية، ولم تتغيَّر المعادلة لصالح الدولة العثمانية إلا بظهور جيش محمد علي باشا من جديد. حاصر الجيش العثماني ميسولونجي وفشل في فتحها، وعندما جاء إبراهيم باشا بجيشه فُتِحَت المدينة!

ما تفسير هذه الظواهر اللافتة؟!

تفسيرها الوحيد هو أن الجيش المصري هو الجيش الذي كان يحلم به محمود الثاني، ومن قبله سليم الثالث رحمه الله. إنه جيش النظام الجديد! لا أكثر ولا أقل! لقد أسَّس محمد علي باشا جيشًا مصريًّا قويًّا يعتمد على أهل البلد لأول مرَّةٍ منذ قرون، وذلك عن طريق التجنيد الإجباري؛ فقد كان المعتاد في القرون السابقة الاعتماد على المرتزقة، أو المماليك المجلوبين من الشتات، وهؤلاء كانوا يعملون من أجل المال أو السلطة، وليس لديهم أيُّ انتماءٍ للدولة، ومِنْ ثَمَّ فحميَّتهم للقتال ضعيفةٌ للغاية، بعكس أهل البلد الذين يمكن تحميسهم للقتال بطرقٍ كثيرة، كما أن الاعتماد على أهل البلد يُوفِّر أعدادًا كبيرةً من الجنود بعكس نظام المماليك أو المرتزقة، ولقد بلغ هذا الجيش النظامي في إحصاء عام 1833 مائةً وتسعةً وستِّين ألف جندي، وارتفع في إحصاء 1839 إلى مائتين وستَّةٍ وثلاثين ألف جندي[1]. هذه هي الخاصيَّة الأولى لهذا الجيش، وهي خاصيَّةٌ جديدةٌ على هذا الزمن.

أمَّا الخاصيَّة الثانية المميِّزة لهذا الجيش فهي التأسيس على النظم الحديثة من حيث التسليح، وفنون القتال، وطرق التدريب، وقد أسَّس محمد علي باشا جيشه على النظام الفرنسي، الذي يُعتبر في هذا الوقت أحدث ما وصل إليه العلم والفن العسكري؛ حيث كانت جيوش نابليون هي الأقوى في العالم، وقد استعان محمد علي بضابط فرنسي متقاعد من جيش نابليون، وهو چوزيف أنتيلمي سيڤ Joseph Anthelme Sève، وقد أسلم هذا الضابط وعاش في مصر، وتسمَّى بسليمان، فعُرِف بسليمان الفرنساوي، ومُنح لقب باشا[2][3]، وإليه يرجع الفضل في الوصول بالجيش المصري إلى هذه الصورة المتفوِّقة. وبالطبع هناك تفصيلاتٌ كثيرةٌ في القوانين التي أُعدَّت لتنظيم هذا الجيش وتحديثه لا يتَّسع المقام لشرحها، ولكن خلاصة الأمر أن الجيش كان مُعدًّا على أحدث الطرق التي يُعِدُّ الأوروبيون بها جيوشهم.

ما الذي يمنع الدولة العثمانية الكبرى من أن يكون عندها جيشٌ بهذه الصورة وأفضل، ومَنْ الذي يُكَبِّل خطوات محمود الثاني من أجل استعادة وضع الدولة العسكري؟ إن الإجابة في كلمةٍ واحدة: الإنكشاريَّة! هنا، ونتيجة الامتهان الشديد الذي تعرَّضت له الدولة في العقود الثلاثة الأخيرة، سواءٌ في أيام الحملة الفرنسية على مصر والشام، أم في حروب السعودية، وصربيا، وروسيا، وإيران، واليونان، أخذ السلطان قرارًا في غاية الجرأة، وهو التخلُّص من العائق الذي يمنع الدولة من التقدُّم! عقد السلطان اجتماعًا موسَّعًا في 25 مايو 1826م[4] شرح فيه الوضع الذي آلت إليه الدولة، وتناول فيه الخسائر التي مُنِيَ بها الجيش في الآونة الأخيرة، وأعلن عن قراره بتكوين جيشٍ نظاميٍّ جديد[5]، واستصدر فتوى من شيخ الإسلام قاضي زادة طاهر أفندي بمعاقبة كل مَنْ يقف أمام هذا الإصلاح.

في خلال الأسبوعين التاليين للاجتماع رتَّب السلطان عدَّة لقاءات مع بعض كبار رجال الجيش والبحريَّة الذين يطمئن إلى ولائهم له، وأمرهم بالاستعداد لمواجهة الإنكشاريَّة في حال تمرُّدهم[6]. لم يخِبْ ظنُّ السلطان، وتمرَّد الإنكشاريَّة في يوم 14 يونيو، وهذا ما كان يريده محمود الثاني! في 15 يونيو 1826[7] قامت قوَّات المدفعيَّة الموالية للسلطان بقصف ثكنات الإنكشاريَّة بكلِّ ضراوةٍ ليَصُبَّ السلطان جام غضبه المكبوت منذ ولايته من ثمانية عشر عامًا! في هذه العمليَّة قُتِل من الإنكشارية ستة آلاف، واقتحمت القوات العثمانية ثكناتهم ليقودوا عشرين ألفًا آخرين إلى النفي، بينما سُرِّح البقيَّة[8]، وألغى السلطان تشكيلات الإنكشارية من الجيش العثماني تمامًا، مع أنها كانت قد وصلت في عام 1826م إلى مائةٍ وخمسةٍ وثلاثين ألف جندي[9]، كما أغلق مراكز جماعة البكتاشيَّة الصوفيَّة الداعمة للإنكشارية[10]، وجَرَّم الانضمام إليها بالقانون، وأُغلقت بذلك هذه الصفحة المؤلمة من التاريخ العثماني!

لا جدال في أن هذا الحدث من الأمور المحيِّرة في التاريخ؛ فبعضهم يمكن أن يرى أن الدولة كان من الممكن أن تتريَّث مع هذه الفرقة، وتسعى لإصلاحها، خاصَّةً بالنظر إلى تاريخها القديم، وإنجازاتها المجيدة، وبالنظر كذلك إلى احتياج الدولة العثمانية إلى الجنود، وبعضهم الآخر -وأنا منهم- يرى أن الفرقة وصلت إلى درجةٍ من الفساد لا يُرجى معها إصلاح، وأن الحديد لا يَفِلُّه إلا الحديد، وأن تأجيل هذه الخطوة لن يعني إلا مزيدًا من الخسائر.

واقع الأمر أنني أرى أن هذه الخطوة متأخِّرةٌ عدَّة عقود، بل عدَّة قرون! إن الإنكشارية كانوا شوكةً في حلق كلِّ سلطانٍ حَكَمَ الدولة العثمانية منذ أيَّام سليم الثاني (1566-1574)، وكانوا ضدَّ كلِّ إصلاح، وتفاقم خطرهم بالقيام المتكرِّر بقتل الصدور العظام والسلاطين، وكذلك بفرضهم الإتاوات وأمور البلطجة على الشعوب، ولن تُراجع تاريخ إقليم من الأقاليم العثمانية إلا ستجد معاناةً للشعوب من جرائم الإنكشارية؛ في الجزائر، وتونس، وليبيا، والعراق، واليمن، وصربيا، وغيرها، وما انفلات هذه الأقاليم من الدولة العثمانية إلا نتيجة لفساد هذه الفرقة المؤذية.

إننا في الواقع لا نتحدَّث عن فرقةٍ من الجيش؛ إنما نتحدَّث عن مجموعاتٍ مسلَّحةٍ خارجةٍ عن القانون، وهي تفرض بسلاحها على الشعب والحكومة ما تُمليه عليها رغباتها، فصاروا مستحقِّين حقَّ الحرابة، وعقابه في الإسلام يشمل القتل. إذا نظرنا إلى الأمور من هذا المنظور أدركنا الصواب، ولو قام سلطانٌ جريءٌ آخر بهذا العمل منذ قرنٍ أو قرنين لكان أسهل، ولكانت الخسائر أقل، ولكن هذه الجرأة لم تكن متوفِّرة؛ لأن فشل العمليَّة لن يكون له ثمنٌ إلا حياة السلطان، حتى أتى السلطان محمود الثاني فتحمَّل الأمر على عاتقه!

تُعْرَف هذه الواقعة في التاريخ العثماني بالواقعة الخيرية The Auspicious Incident[11]؛ لأنها خلَّصت الدولة من الطغمة الفاسدة التي أعاقت الإصلاح طويلًا، والجدير بالذكر أنها لم تترك أيَّ ردِّ فعلٍ سلبيٍّ عند الجماهير العريضة من الشعب، بل تفاءل الناس بها، وبدأ السلطان بعدها في إعداد الجيش الجديد، وأطلق عليه اسم «العساكر المنصورة المحمديَّة»[12]، وكانت البداية باثني عشر ألف مقاتل، وفي عام 1837 وصل عدده إلى مائةٍ وستين ألفًا[13].

على الرغم من تأثُّر السلطان محمود الثاني بالتجربة المصريَّة فإنه لم يكن لديه الطاقم الأوروبي المساعد الذي وفَّره محمد علي باشا في مصر، ولم يستقدم السلطانُ عسكريِّين أوروبِّيِّين لتدريب الجيش اللهمَّ إلا من بروسيا، وهذا أثَّر إلى حدٍّ كبيرٍ على قدرات الجيش بالمقارنة بالجيش المصري، أو بالجيوش الأوروبية[14]؛ لأن القفزة التي قفزتها الجيوش الحديثة في خلال المائة سنة السابقة كانت قفزةً واسعةً جدًّا، ومع ذلك فالتطوُّر الإيجابي في الجيش العثماني كان ملموسًا، وفي كلِّ الأحوال كان أفضل بكثيرٍ من حالته السابقة قبل الواقعة الخيرية.

يعتبر بعض المؤرِّخين أن هذه الواقعة هي بداية عهد الإصلاح في الطور الأخير من أطوار الدولة العثمانية، حيث صارت مقاومةُ الإصلاح أقلَّ جدًّا ممَّا سبق، ولهذا تعرف الخمسين سنة القادمة من تاريخ الدولة بعهد «التنظيمات» The Tanzimât (1826-1876)[15]، أي الإجراءات التي اتُّخِذت لتنظيم الدولة وَفق النظم الحديثة، وإن كان بعضهم يعتبر أن البداية الحقيقيَّة لهذا العهد كانت في عام 1839م عند أصدر السلطان محمود الثاني نفسه القوانين الأولى للتنظيمات[16]، لكن هذا الإصدار لم يكن ليتمَّ لولا الواقعة الخيرية عام 1826م[17].



[1] الرافعي، عبد الرحمن: عصر محمد علي، دار المعارف، القاهرة، الطبعة السادسة، 2001م. الصفحات 353-362.
[2] 195. طوسون، عمر: الجيش المصري البري والبحري، مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1416هـ=1996م (أ). صفحة 12.
[3] 106. فهمي، خالد: كل رجال الباشا: محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة، ترجمة: شريف يونس، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى، 1422هـ=2001م. الصفحات 115، 116.
[4] أوزتونا، يلماز: تاريخ الدولة العثمانية، ترجمة: عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل، إستانبول، 1988 صفحة 1/676.
[5] 2. إبراهيم أفندي: مصباح الساري ونزهة القاري، بيروت، الطبعة الأولى، 1272هـ=1856م ، الصفحات 266–268.
[6] أوزتونا، 1988 الصفحات 1/676، 677.
[7] Somel, Selçuk Akşin: The A to Z of the Ottoman Empire, the Scarecrow press, Lanham, MD, USA, 2010., p. lx.
[8] أوزتونا، 1988 صفحة 1/678.
[9] Nafziger, George F.: Historical Dictionary of the Napoleonic Era, The Scarecrow Press, Lanham, Maryland, USA, 2002., pp. 153–54.
[10]سرهنك، إسماعيل: حقائق الأخبار عن دول البحار، المطابع الأميرية، بولاق، مصر، الطبعة الأولى، 1312هـ=1895م. صفحة 1/679.
[11] 54. آق كوندز، أحمد؛ وأوزتورك، سعيد: الدولة العثمانية المجهولة، وقف البحوث العثمانية، إسطنبول، 2008م، صفحة 386.
[12] أوزتونا، 1988 صفحة 1/678.
[13] Yıldız, Gültekin: Neferin Adı Yok: Zorunlu Askerliğe Geçis, Sürecinde Osmanlı Devleti'nde Siyaset, Ordu ve Toplum (1826-1839) (in Turkish), Kitabevi Yayınları, Istanbul, Turkey, 2009., p. 475.
[14] Aksan, Virginia H.: The Ottoman Army, In: Schneid, Frederick C.: European Armies of the French Revolution, 1789–1802, University of Oklahoma Press, Norman, Oklahoma, USA, 2015., p. 266.
[15] Stoianovich, Traian: A Study in Balkan Civilization, Knopf, New York, USA, 1967., p. 192.
[16] آق كوندز، وأوزتورك، 2008 صفحة 402.
[17] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/ 1010- 1014.

الموضوع الأصلي : اضغط هنا    ||   المصدر :

ساحات الهوامير المفتوحة



 
 
قديم 03-03-2021, 03:55 PM
  المشاركه #2
عضو هوامير المميز
تاريخ التسجيل: May 2009
المشاركات: 1,044
 



تم التخلص من الجيش الاكشاري بالمدفعية العسكرية والشرطة والشعب. بعظ مااتم اكثر من ٥٠٠ سنة الى ان تدخل بالحكم وقتل السلاطين.



قديم 03-03-2021, 05:11 PM
  المشاركه #3
شايب المنتدى
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 19,531
 



تاريخ أتراك عجم وعلوج لايعنينا بشيء يصطلفوا في بعضهم . عطنا عن فتح الأندلس وسيادة هشام بن عبدالملك أبن مروان عليها كاملة حتى دخول عبدالرحمن الداخل لها ومواصلة الفتوحات بها والحضارة بها👍.



قديم 03-03-2021, 08:57 PM
  المشاركه #4
عضو هوامير المميز
تاريخ التسجيل: Sep 2020
المشاركات: 76
 



هذا المقال ينفع نسميه :
(الاستحمام التاريخي)

يسأل ببلاهة : مالذي منع الاتراك من الاستعانة بالمصريين او العرب ؟
ثم يجيب باستعباط :
انهم الانكشاريين !!

اللي منع الاتراك من الاستعانة بغير الانكشاريين هو انهم سلطة احتلال و أول ما سلحوا المصريين انقلبوا عليهم و استقلت مصر عن الباب العالي بقيادة محمد علي باشا نفسه .
وهذا الشيء هو ما سيحصل لو سلحوا غيرهم من العرب .

الانكشاريين هم خليط من اسرى الحرب و العجم يؤدلجون لخدمة الاتراك ، ومحاولة التنصل عن بطشهم بالمسلمين بتصويرهم قوة مستقلة لا دخل للاتراك بها هو عبط لطيف







الكلمات الدلالية (Tags)

1826م

,

الإنكشارية

,

تدمير


أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



01:59 AM