logo



قديم 31-05-2021, 03:18 PM
  المشاركه #1
عضو هوامير المميز
تاريخ التسجيل: Jul 2014
المشاركات: 570
 



جغرافية البلقان

يُمكن تقسيم أوروبَّا بشكلٍ عامٍّ إلى ثلاث مناطق كبرى، وهي: شرق أوروبَّا، ووسط أوروبَّا، وغرب أوروبَّا. أمَّا شرق أوروبَّا فيُمكن تقسيمه إلى منطقتين شماليَّة وجنوبيَّة، والحدُّ الفاصل بينهما هو نهر الدانوب Danube، بالإضافة إلى نهري ساڤا Sava وكوبا Kuba، وهذه المنطقة الجنوبيَّة من شرق أوروبَّا تُعرَف بمنطقة البلقان؛ وهي منطقة جنوب شرق أوروبَّا تحت الدانوب. وقد عُرِفَت منطقة البلقان بأسماءَ مختلفةٍ على مرِّ التاريخ، إلى أن أطلق عليها الجغرافي الألماني زيون Zeune في 1808م، اسم «شبه جزيرة البلقان» استنادًا إلى سلسلة الجبال العالية التي تمتدُّ في وسطها من شرق صربيا Serbia إلى شرق بلغاريا Bulgaria[1]، أمَّا كلمة «البلقان» نفسها فهي تعني بالتركيَّة «المكان المرتفع»، وقد أطلقها البلغار القدامى -وهم من أصولٍ تركيَّة- على المرتفعات الموجودة في المنطقة[2]. وتبلغ مساحة البلقان أكثر من خمسمائة ألف كيلو متر مربع[3].

ويُعَدُّ البلقان شبه جزيرة؛ أي أنَّه محاطٌ بالمياه من كلِّ جهةٍ ما عدا الجهة الشماليَّة؛ التي تُحَدُّ كما ذكرنا بنهر الدانوب. يُمثِّل البحر الأبيض المتوسط الحدَّ الجنوبيَّ للبلقان، ويقع البحر الأدرياتيكي والبحر الأيوني في الناحية الغربيَّة منه، أمَّا الناحية الشرقيَّة ففيها بحر إيجة، وبحر مرمرة، والبحر الأسود (خريطة رقم 2).

ومنطقة البلقان من المناطق الجبليَّة حيث تنتشر الجبال في كلِّ أجزائها تقريبًا[4]، وهذه الطبيعة الصعبة تُسبِّب تحدِّيَّاتٍ عسكريَّة وتجاريَّة واجتماعيَّة كبيرة، كما أنَّها تفرض طرقًا محدودةً للمواصلات تجعل الحركة في داخل البلقان شديدة الخطورة والصعوبة. وليست الجبال هي التحدِّي الجغرافي الوحيد في البلقان؛ فهناك عدَّة تحدِّيَّات أخرى تُؤثِّر بشكلٍ كبيرٍ على الجغرافيا السياسيَّة للبلقان[5].

جغرافية البلقان

فهناك مثلًا الأنهار الكثيرة التي تنتشر في المنطقة بكاملها، ويكفي الإشارة إلى أنَّ بلغاريا وحدها تحوي ألفًا ومائتي نهرٍ في شبكةٍ شديدة التعقيد تجعل الحركة داخل البلاد في غاية الصعوبة[6].

وهناك المضايق التي تتحكَّم فيها شبه جزيرة البلقان؛ وأهمها مضيقي البوسفور والدردنيل، وهي مضايق تصل البحر الأسود بالبحر الأبيض المتوسط كما شرحنا في جغرافية الأناضول، وهذا يعني أنَّ الدول شمال البحر الأسود -وأهمها روسيا- لا تستطيع أن تصل إلى البحر المتوسط إلَّا عن طريق هذه المضايق الجغرافيَّة، وهذا يُعطيها أهميَّةً قصوى؛ لأنَّ روسيا لا تطلُّ في شمالها وغربها إلَّا على البحار المتجمِّدة، وتحتاج في تجارتها إلى الوصول إلى البحار الدافئة، وهي البحر المتوسط وبقيَّة بحار العالم.

وهناك كذلك العديد من الجزر التي تقع في جنوب البلقان وتتحكم في الحركة الملاحيَّة في البحر المتوسط، وأهمها مجموعة جزر أرخبيل اليونان التي تبلغ حوالي ألفٍ ومائتي جزيرة[7]، بل يصل الإحصاء الدقيق لجزر اليونان إلى تسعة آلافٍ وثمانمائةٍ وإحدى وأربعين جزيرةً[8] إذا دخل في الحساب أيُّ نتوءٍ صخريٍّ محاطٍ بالماء!

هذه العوامل الجغرافيَّة المهمَّة جعلت التنافس على البلقان كبيرًا بين القوى العالميَّة، وخاصَّةً تلك التي تملك إمكانات بحريَّة نظرًا إلى طبيعة المكان، ومن هنا كان هناك ظهورٌ قويٌّ في تاريخ هذه المنطقة لبحريَّة الجمهوريَّات الإيطاليَّة: البندقيَّة Venice، وچنوة Genoa، ثُمَّ لاحقًا للبحريَّة الإنجليزيَّة، والفرنسيَّة، والروسيَّة، بالإضافة طبعًا إلى البحريَّة العثمانيَّة.

تضمُّ منطقة البلقان عددًا كبيرًا من الدول الأوروبِّيَّة، ومعظمها في الواقع دولٌ صغيرة الحجم، ويُمكن تقسيم هذه الدول إلى شرائح من الجنوب إلى الشمال حتى نفهم العلاقات الجغرافيَّة بينها:
في أقصى جنوب البلقان تقع دولة اليونان Greece، وهي تُمثِّل ربعه تقريبًا (131 ألف كم2)، وإلى جوارها شرقًا جزءٌ صغيرٌ من تركيا، وهو الجزء الأوروبِّي منها.

ثُمَّ في الشريحة التي تقع شَمال اليونان تُوجد ثلاث دول؛ من الشرق بلغاريا، وهي دولةٌ كبيرةٌ نسبيًّا تقترب من خُمْس البلقان (110 ألف كم2)، ثُمَّ إلى غربها تقع دولةٌ صغيرة هي مقدونيا Macedonia (25 ألف كم2)، وأخيرًا إلى الغرب دولة ألبانيا Albania، وهي تطلُّ على البحر الأدرياتيكي (28 ألف كم2).

وشمال هذه الدول، وإلى الغرب منها، تقع أربع دولٍ أخرى، هي من الشرق إلى الغرب: صربيا، ويقع نصفها الجنوبي (55 ألف كم2) جنوب الدانوب، فهو من البلقان، أمَّا القسم الشمالي من هذه الدولة فيقع شمال الدانوب، ومِنْ ثَمَّ فهو خارج حدود البلقان، ثُمَّ إلى الغرب من صربيا تُوجد كوسوڤو Kosovo، وهي أصغر دول البلقان (10 آلاف كم2)، ثُمَّ جمهورية الجبل الأسود Montenegro (13 ألف كم2)، وأخيرًا في أقصى غرب البلقان تقع جمهوريَّة البوسنة والهرسك (51 ألف كم2).
وأخيرًا إلى الشمال من كلِّ هذا تقع بعض الأجزاء من ثلاث دولٍ داخل حدود البلقان، وهي من الشرق إلى الغرب: رومانيا؛ ويقع جزءٌ ضئيلٌ جدًّا منها في البلقان (15 ألف كم2، وهي حوالي 6.5% من مساحة رومانيا)، ثُمَّ إلى الغرب هناك كرواتيا Croatia؛ ويقع نصفها تقريبًا في البلقان (حوالي 31 ألف كم2)، وأخيرًا سلوڤينيا Slovenia؛ ويقع ربعها في البلقان (5 آلاف كم2)[9].

فهذه اثنتا عشرة دولةً تقع في منطقة البلقان سواءٌ بشكلٍ كاملٍ أم جزئي، وهي تُعطي مساحة البلقان الإجماليَّة؛ وهي خمسمائة وأربعة آلاف كيلو متر مربع، ومع أنَّ هذه المساحة كبيرةٌ نسبيًّا فإنَّها ضئيلةٌ بالنسبة إلى قارَّة أوروبَّا؛ حيث تُمثِّل 5% فقط من مساحتها، فالبلقان كلُّه يُعَدُّ أصغر من مساحة فرنسا مثلًا.

والمدن المهمَّة في البلقان كثيرة، ومعظمها له تاريخٌ طويلٌ يتجاوز أحيانًا آلاف السنين! وتأتي إسطنبول Istanbul، التي كانت تُعْرَف قديمًا بالقسطنطينية Constantinople، في مقدِّمة هذه المدن، ويعقبها في الأهميَّة الاستراتيجيَّة مدينة إدرنة Edirne، والمدينتان تقعان في شرق البلقان، وهما من مدن تركيا حاليًّا، وفي شرق البلقان -أيضًا- توجد مدينة ڤارنا Varna البلغاريَّة على ساحل البحر الأسود، أمَّا في جنوب البلقان فتأتي مدينتا أثينا Athens وسالونيك Thessaloniki في مقدِّمة المدن المهمَّة والعريقة في المنطقة، وكلاهما في اليونان حاليًّا، أمَّا شمال البلقان فيتميَّز بوجود مدينتَي بلجراد Belgrade عاصمة صربيا الآن، وهي إحدى أهمِّ البوَّابات إلى وسط أوروبَّا، وسمندرية Smederevo الصربيَّة كذلك، وفي غرب البلقان توجد عدَّة مدنٍ مهمَّة، مثل: تيرانا Tirana عاصمة ألبانيا، ودوريس Durrës، وشقودرة Shkodër (Shkodra)، وكلتاهما في ألبانيا كذلك، وسراييڤو Sarajevo عاصمة البوسنة والهرسك، وكذلك سكوبيه Skopje عاصمة مقدونيا، و-أيضًا- بودجوريتسا Podgorica عاصمة الجبل الأسود، ودوبروڤنيك Dubrovnik الكرواتية. أمَّا في وسط البلقان فتأتي صوفِيا Sofia عاصمة بلغاريا كأهمِّ مدينةٍ في هذه المنطقة، وبعدها نيش Nish في صربيا، وكذلك بريشتينا Prishtina عاصمة كوسوڤو.

وأخيرًا نؤكِّد أنَّ البلقان جزءٌ مهمٌّ جدًّا من العالم، ووجه أهميَّته من الناحية الجغرافيَّة السياسيَّة راجعٌ إلى عدَّة أمور، منها:

أوَّلًا: يُسيطر البلقان على عدَّة بحار كما أسلفنا، وهي مهمَّةٌ جدًّا للتجارة العالميَّة.

ثانيًا: يقع البلقان منطقةً فاصلةً بين الشرق الآسيوي والغرب الأوروبي، وحيث إنَّ الشرق اشتهر بموادِّه الخامِّ غير المتاحة في الغرب؛ بينما اشتهر الغرب بالاقتصاد القوي، بالإضافة إلى التصنيع والنهضة بعد ذلك، فإنَّ العلاقة بين الشرق والغرب كانت مهمَّةً جدًّا، ولا تكون إلَّا عبر البلقان.

ثالثًا: بعد أن سيطر السلاجقة المسلمون على الأناضول صار البلقان هو المحطَّة النصرانيَّة الأولى التي تُقابل الشرق الإسلامي؛ ومِنْ ثَمَّ فالصراع الإسلامي النصراني يتَّخذ من هذه المنطقة مسرحًا لفترةٍ طويلةٍ من الزمن.

رابعًا: البلقان هو المنفذ الوحيد للإمبراطوريَّة الروسيَّة العملاقة للنفاذ إلى البحار الدافئة؛ ممَّا جعل هذه القوَّة الضخمة تدخل في صراعٍ حتميٍّ مع قوى العالم المختلفة حول هذه المنطقة.

خامسًا: مع صغر حجم البلقان فإنَّ الأعراق واللغات والملل فيه كثيرةٌ ومتنوِّعة؛ ومِنْ ثَمَّ فهناك صراعاتٌ كبيرةٌ بين كلِّ الأقطار؛ بل في داخل كلِّ قُطرٍ على حِدَة، وهذا أدَّى إلى تشابكاتٍ معقَّدةٍ ما زالت تُلْقِي بظلالها في زماننا هذا، وما الحروب التي دارت في منطقة البوسنة والهرسك، وصربيا، وكوسوڤو، وكرواتيا منَّا ببعيد.

كان البلقان إِذَنْ جزءًا من مسرح العمليَّات لقصَّة الدولة العثمانية؛ بل سيتَّسع هذا المسرح بعد ذلك ليشمل بعض الدول الواقعة في شمال البلقان؛ مثل: رومانيا، والمجر، ومولدوڤا، وأوكرانيا، وروسيا، وشرق النمسا، وجنوب بولندا، وشرق إيطاليا وجنوبها، وسنأتي للحديث عن جغرافيَّة هذه المناطق في حينه[10].

[1] Stoianovich, Traian: Balkan Worlds: The First and Last Europe, Routledge, London, UK, 1992., p. 1.
[2] Tintero, Felipa L & Manacsa, Felicitas R: World Geography Affected by World Upheavals, Katha publishing, Quezon city, Philippines, 2002., p. 51.
[3] الأرناؤوط، محمد م: البلقان من الشرق إلى الاستشراق، منتدى العلاقات العربية والدولية، قطر، الطبعة الأولى، 2014م. صفحة 10.
[4] عبد العزيز، وسام: البوسنة - الصرب - كرواتيا: قراءة في التاريخ الباكر، إشراف: قاسم عبده قاسم، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، الهرم-مصر، الطبعة الأولى، 1994م. الصفحات 9-12.
[5] حمد آل ثاني، فهد عبد الرحمن: البلقان مفتاح السيطرة العالمية (دراسة جيوبوليتيكية عن منطقة البلقان)، مجلة كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، قسم الجغرافيا، كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، جامعة قطر، قطر، العدد 24، 2011م. صفحة 31.
[6] Fet, Victor & Popov, Alexi: Monographiae Biologicae: Biogeography and Ecology of Bulgaria, Springer Science & Business Media, The Netherlands, 2007., vol. 82, p. 600.
[7] Bowman, John S.; Kerasiotis, Peter; Marker, Sherry & Sarna, Heidi: Frommer's Greece, John Wiley Sons Inc, Hoboken, NJ, 2010., p. 12.
[8] International Business Publications: Greece Country Study Guide, International Business Publications, wishingtn, USA, 2012, p. 36.
[9] جاد الرب، حسام: جغرافية أوروبا الجديدة (دراسة إقليمية)، دار العلوم للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 1428هـ=2007م. الصفحات 39، 40.
[10] دكتور راغب السرجاني: قصة الدولة العثمانية من النشأة إلى السقوط، مكتبة الصفا للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 1442ه= 2021م، 1/ 36- 41.

الموضوع الأصلي : اضغط هنا    ||   المصدر :

ساحات الهوامير المفتوحة



 
 



الكلمات الدلالية (Tags)

البلقان

,

جغرافية



أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



10:29 AM